‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر فلسطيني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر فلسطيني. إظهار كافة الرسائل

3‏/12‏/2017

وقفة مع أسماء عزايزة


حيفا ــ العربي الجديد
تصوير ديرك سكيبا
30 نوفمبر 2017
تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. هنا وقفة مع الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة.

■ ما الذي يشغلكِ هذه الأيام؟
- المحاولة الأبديّة العبثيّة لإحداث التوازن بين الكتابة والقراءة والتفكير الحر والسفر، وبين الحياة المدنيّة البيروقراطيّة والماديّة المدمّرة.

■ ما هو آخر عمل صدر لكِ وما هو عملكِ القادم؟
- صدرت لي المجموعة الشعريّة "كما ولدتني اللديّة" عن دار "الأهليّة". أكتب الآن ما سيكون ضمن المجموعة الثالثة، أو ما سيكون في سلّة مهملاتها. لا أعرف متى سأنتهي منها وما هو عنوانها، لكنّي على الأقل متأكّدة بأنّها مختلفة بما يرضي أحقادي المستمرّة نحو سابقتها.

■ هل أنتِ راضية عن إنتاجك ولماذا؟
- الرضا لحظيّ، عمره قصير، عن سطر أو صورة أو التقاطة وليس عن الإنتاج أو المشروع الشعريّ بعامّة، فاللاحق يقتل الفضول والتجريب والسعي الحثيث لمطاحنة الجمال والاعتراف بأنّ كلّ كتابة هي طلّة قصيرة على العتبة، وسرعان ما ستُغلق الأبواب بعدها في وجوهنا من جديد، حين سيظلّ العالم ينتج شعراً أخّاذاً، أو حين نعود لما أنتجه العظماء ونقول في سرّنا ما نقوله.

■ لو قيّض لكِ البدء من جديد، أي مسار كنت ستختارين؟
- أختار الموسيقى. أشعر أنّ الموسيقى تنجّي أصحابها من الحزن، والشعر يُغرق أصحابه فيه. تعلّمت على آلة الهارمونيكا والقانون والغيتار، وفي كلّ مرّة كان يؤدّبني الشّعر في صفّه مثل أستاذ مقيت.

■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟
- نحن في زمن أصبح فيه الطامعون في التغيير واهمين. فقدت ذاك الانتظار أو الأمل في التغيير. أشعر أنّه فقدٌ حدسيّ وعاطفيّ لا سيطرة لي عليه، وليس قراراً عقلانيّاً.

■ شخصية من الماضي تودين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 
- اليابانيّ يوكيو ميشيما، وقد أراني كيف يمكن لكلّ شيء أن يحدث/ يتفجّر حين يبدو أنّ لا شيء يحدث. إقدامه على الانتحار وعلى ممارسة القوّة (في السياسة) هو طبعٌ بشريٌّ لم يُخفه وراء شهرة أدبيّة أو جوائز برّاقة، وهو ما نخفيه نحن وراء كلّ شيء نخافه، ونصبح جبناء إن لمحناه.

■ صديق/ة يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائماً؟
- لا أعود إلى الكتب، بل أشعر بأنّها "بتلحقني بالعصاي" حتى يكفي ما يكفي هذا العمر القصير من اللحاق بها. لكن أعود إلى كتاب واحد وهو "ديوان المتنبّي"، وتحديداً إلى النسخة المهترئة التي رافقتني منذ كنت في العاشرة من عمري، ولم أكن وقتذاك أفقه شيئاً منها.

■ ماذا تقرأين الآن؟
- أقرأ مجموعة قصصيّة مذهلة لبيسوا وأنطولوجيا شعريّة من كتالونيا.


■ ماذا تسمعين الآن وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
- أستمع إلى تجربة المغنيّة التركيّة Tuğçe Kurtiş، تقدّم فيها أغانيَ ذات إيقاعاتٍ إفريقيّة ولاتينيّة إلكترونيّة. أقترح أن تستمعوا إلى ألبوم "طرفة" للفنان البحرينيّ محمد حدّاد وهو مشروع تزامن مع إصدار ديوان للشاعر قاسم حدّاد بعنوان "طرفة بن الوردة"، وفيهما يعيدان تقديم سيرة مسموعة ومكتوبة للشاعر طرفة.

4‏/6‏/2017

عن فناء الشّعر ودار الأهليّة: "حجرٌ لم يُقلب"؛ شعر في الهويّة من فلسطين وألمانيا






صدرت عن مبادرة "فناء الشّعر" ودار الأهليّة للنشر والتوزيع، وبالتعاون مع دار "فيرلاغ هانس شيلر" الألمانيّة للنشر أنطولوجيا شعريّة بعنوان "حجرٌ لم يقلب". وهي الأنطولوجيا الأولى التي تصدر عن مبادرة "فناء الشّعر" التي أسّستها الشاعرة أسماء عزايزة، والتي دعت فيها ثمانية شعراء وشاعرات من فلسطين وألمانيا للكتابة حول الهويّة، وهم: أوليانا وولف، توماس كوهن، جمانة مصطفى، سيّا رينيه، عامر بدران، غياث المدهون ونورا بوسونغ. وقد شارك في التحرير وعمل على نقل النصوص الألمانيّة إلى العربيّة والعربيّة إلى الألمانيّة المترجم إبراهيم مرازقة.
أمّا عن موضوعة الكتاب، الهويّة، فقد كتبت أسماء عزايزة: "بالرّغم من ارتباطها الواعي وغير الواعي، لديّ، بالتّجربة السياسيّة بعامة، وتلك الفلسطينيّة بخاصة، إلا أنّي لم أعد أراها إلا زائغة، مرنة، ومفتوحة على التعدّد، كما لم أرد لثيمة هذه الأنطولوجيا أن تكون غير ذلك، أن تكون واضحة وتشير بأصابعها إلى منابت شعرائها وخلفيّاتهم. هذه الكلمة، التي ارتبطت بحبل سرّة كتلةٍ بشريّةٍ متلاحمة اسمها الشّعب، نجدها الآن وقد أصبحت ميناءً، يرخي وثاق هذا الحبل عن بوّابات القلعة المحصّنة التي أغلقت الجمعيّ على نفسه وتركت الأفراد خارج البوّابات. تنطبق هذه الصّورة على التاريخ والعرق والجغرافيا، والشّعر، أيضًا". وبالفعل، جاءت نصوص الشّعراء على تنوّع وغنى لافت: "إنّه زوغان يثير متعةً ما، حين لن يجد القارئ أنطولوجيا "عن الهويّة"، حين سيقرأ هذا التنوّع في مضمون النصوص، بعضها عقلانيّ وتفكيكيّ، بعضها دمويّ، غاضب، وبعضها متأمّل ورهيف وهشّ. ويصطدم بهذا التعدّد الأسلوبيّ اللافت، مرّةً في نصوصٍ عالية النثريّة، مرّةً في موسيقى صادحة، واحدٌ ينتصر للّفظة، آخر للمشهد، وآخر للاستعارة".

-->
يذكر أن الشاعر أمجد ناصر قام بتقديم الأنطولوجيا الشعريّة، فجاء في تظهيرها مقطعًا من مقدّمته: "لن يعزف النشيدان الوطنيّان الفلسطينيّ والألمانيّ في مدخل هذه الانطولوجيا، لأنّ لا تمثيل تدّعيه هذه القصائد، مهما بدت درجة تقاربها لغة، جيلاً، وهموماً وأمكنة. فهذا التمثيل لم يكن موجوداً في الشعر الألمانيّ (إلا ربما في فترات الصراعات الكبرى وتهديد الحروب مصير الأفراد والشعوب)، ولا هو موجود في الشعر الفلسطينيّ الآن. هذا شعر أصوات فرديّة. لا تدعي النهوض بعبء "وطنيّ" ولا حتى جماليّ. فهذا ادعاء باهظ لا يستطيعه بشر ما بعد كلّ شيء: الحداثة، التكنولوجيا، القوميّات وما شابه. ومن يرغب في "فهم" القضيّة الفلسطينيّة من هذه الأصوات الشعرية (وربما غيرها أيضاً) سيصاب بخيبة أمل.
يذكر أنّ الأنطولوجيا أنجزت بدعم من أكاديميّة الثقافة وهو أحد مشاريع معهد غوته، بدعم من وزارة الخارجيّة، وبالتعاون مع بيت الشعر (برلين) ومسرح خشبة (حيفا). ترجم نصوص الشاعر توماس كوهن من الإسبانيّة الشاعر محمد بيطاري، رسم غلافها الفنان بهرام حاجو وصمّمها وأخرجها فنيًّا وائل واكيم. وسيتم إشهارها الشهر القادم في مدينتيّ حيفا وبرلين بحضور الشّاعرات والشعراء المشاركين.

9‏/1‏/2017

"كما ولدتني اللّدّيّة" لأسماء عزايزة: صور الإله الفلسطينيّ


سلطان القيسي

تنحو أسماء عزايزة في كتابها الجديد "كما ولدتني اللدّيّة" الصّادر عن الأهلية للنشر والتّوزيع 2015، منحى جديرًا ومغايرًا، دون أن تبرح مبدأها الذي نزلت به خطوتها الأولى في ماء الشّعر، حين وضعت مجموعتها الأولى: "ليوا"، إذ تتخفف الشّاعرة الفلسطينيّة من الخوض في الكتابة النّسويّة بمفهمومها الأصيل كما أرادته فيرجينيا وولف، تتخفف من الخوض في قضايا المرأة لكي تزر وزرًا أكبر، في خوضها غمار هم إنسانيّ بكليّته.
في الكتاب الجديد تجسّد عزايزة صورة الفلسطينيّ التّاريخيّة من الجهة العليا، الجهة الأكثر قداسة، والأعمق تاريخًا، مستخدمةً الأسطورة المحمولة على لسان المعبد الكنعانيّ، مسوّغةً إياها بمقتطفات من الكتاب المقدّس، ونصوص دينيّة.
فمن خلال مقدمة ممهورة بتوقيع: "بعل الكنعانيّ 2015"، تستحضر الشّاعرة رمزَ الحياة الفلسطينيّة، إله الحقل والقمح، والإله الذي بإغماءته الطّويلة ظهر تاريخ اللطم والنّواح الفلسطينيّ، وبعودته إلى الحياة انتهى، ليقوم قومةَ المسيح متفقدًا أحوال البلاد.

الخضر وصوره الزّمنيّة
لا يتوّقف ذكاؤها على اختيار "بعل" كونه إلهًا مناسبًا دائمًا للبدايات الجديدة، بل لأنه أيضًا واحدٌ من الآلهة طالما أثنينه الإلهات الفلسطينيّات أمثال "عشتروت" و"عناة" عن قتلهِ إله البحر "يم"، ذلك يعني أن "بعل" يمثّل امتثال الرّجل الفلسطينيّ للمرأة إذ تصيبُ وجه الحقيقة والحق، ومن جهة أخرى هو الدّليل الدّينيّ الأسطوريّ على مكانة المرأة الفلسطينيّة ونفوذها، ما منح الشّاعرة الحق -من بعد ذلك- في صوغ صور مصغرة عن "بعل" الذي هو أصلًا بحسب الأسطورة، صورة مصغرة لإله الآلهة الفلسطينيّ "إيل" الذي شاخ واستخلفه، فتأتي به مرةً على هيئة "مارجرجس" القديس بحسب الرّواية المسيحيّة، والذي هزم التّنين وأنقذ أندروميدا ابنة ملك يافا وصار رمزًا مقدّسًا للمدينة وشفيعًا، ومرة على هيئة الخضر الذي أرشد موسى وعلّمه بحسب الرّواية الإسلاميّة، وتستمّد هذه التّخليقات بعدًا أعمق حين تأتي بها الشّاعرة بعد أن تفلح في خلق انسجام حقيقيّ ومقنع بين نصوص العهد القديم والمعبد الكنعانيّ، فكأنها تتفق مع الخيالات الدّينيّة القائلة بأن "الخضر" لا يموت، كأنها تريد أن تُفهِم العباد بأن الخضر هو إيل، مرورًا بصورهِ الزمنيّة كلّها: بعل، إلياهو، ومار جرجس بصورتيه الحضاريّة والدّينيّة.

ضلالٌ جميلٌ
في الوقت الذي تنهي فيه الشّاعرة هذا البناء المغري في ذهن القارئ، تشرع في هدمه من خلال بيانات يصدّرها بعل في زيارته، رافضًا نسبه إلى أيّ من هؤلاء الرموز، ولا يعبأ إن كان هذا الأمر ينزع عنه ألوهيته حتى، إلا أنه يبقى متمسكًا بـ"كتف اللدّيّة" الذي حمله طفلاً، و"قلب اللدّيّة" الذي فكّر به نطفةً، و"رحم اللدّيّة" الذي حمله جنينًا.
وحيث يقول التّاريخ بأن "مار جرجس" هو وليد امرأةٍ من اللّد القابعة قرب السّاحل الفلسطينيّ، والتي تُقِلّ على متنها مطار الّلد الذي يسميه الاحتلال "بن غوريون"، وهي المدينة التي سيثقف على بابها نبي الله المسيحُ ابن مريمَ الأعورَ الدّجّال ويرديه بحسب الإسلام، فإن الشّاعرة تبدو مصرّة هنا على تضليلنا هذا الضّلال الجميل، لتضعنا وجهًا لوجهٍ مع التّاريخ الذي تحامل في مجمله على الحجر والدّم الكنعانيّ، من خلال تناقضاته التي منحت للكل حقًا في دمنا وهوائنا كفلسطينيّين، وجعلتنا مكلّفين دائمًا بدفع الضّرائب للحكومة لقاء هدم منازلنا:
"أنا الّذي شاهدت الطّريقَ
وهو يسدّها جيرُ عظام ضلوعٍ تحرسُ
قلوبًا في آوشفيتس
وجرفُ دموعٍ ذُرِفَتْ عليها حين لم تُحْرَسْ
وعباءةٌ بحجم مدينةٍ لجنرالٍ انتحر كي يخلّده تمثالٌ من حجرْ
قبل قليل، شقّوا طريق 6
كانت ماكناتٌ تجرف الجير وزَرْعَ فلّاحٍ من البطّوف
تحفر الأنفاق ومعها مجلسَ بدويٍّ في حيّ سَركيسْ
تُعَبِّدُ الشّارع من حصى بيتٍ هُدِمَ في وادي عارة[1]
وأنا أدفع أجرتها
وأرضى بذلك
إن كانت طريق 6
ستكون طريق عودتهم من ميناء عتسيونْ"

(نشر في "فسحة"؛ ثقافيّة فلسطينيّة)

لم أصدّق أنني سأتعلّم يومًا أن أموت




 من مجموعة "رصاص على ورق" (٢٠١٥) للفنانة رندا مداح
لم أصدّق أنني سأتعلّم يومًا أن أموت
لم أكن حيث كان الموت مجانيًّا
 كنت حيث دفع جدّي لأمي ثمن عرق عاملي القطن الذي صنع بزّته العثمانيّة
ثمن أميالٍ حافية إلى نساء البوسنة
ثمن دموعهن على صدور رجالهنّ قبل الحرب
ثمن رايات الربّ
ثمن نزق الإمبراطور ومرضه الطويل

سال دم البلقان فوق قميصي المدرسيّ
وجد المدرّسون نذور الثأر في حقيبتي فزوّروا فصول التاريخ

لم أكن حيث كان الموت صدفة على الطريق
 كنت حيث دفع جدّي لأبي ثمن توقيع في أسفل صفحة، ثمن تسليم قريته في أسفل الجبل، رفع المحتل يده عنها، رفع الثائر يده عن خصره. بجرّة قلمٍ يخدّر حبر جدّي السفح. بطيّة ورقة يطوي الجبل على التاريخ، بمصافحة يُخرج يد المرج من فوّهة الدبابة.
 أشجار اللوز ماتت في غرف عمليّات القلب، خيول الأعراس أغشت عيونها بالحنّاء وانتحرت.
 لم يطهّر أحدٌ عرقي. لكنّ النخاع الشوكيّ في ظهر الجبل انكسر. فانكسر حظّي في أن نصعده معًا، وأن ننظر إلى خطى المسيح على البحيرة ونقلّدها.

لست أنا المعجزة
لم أمش على الماء ولم أشف نفسي من علّات حبّك
إنما هو ماء قلبي الذي تعلّمت أن أحوّله إلى إسفلت كلّما تذكّرتك
تعلّمت أن أنجو من الحمم البركانيّة التي سالت من جبال خوفك
ولم أتعلّم الموت

لم أكن حيث كان الموت درسـًا واحدًا وإلى الأبد
حيث الصاروخ الذي خانته ذاكرته فنسي الطريق
الرصاصة التي لم تقصد أن تتوقّف عن أن تكون قلمًا
المذبحة التي مرّت في الطريق العام ورمت السّلام
بينما كنت أسير في الشارع الخلفيّ
أقطف الصفّير وأشاهد الحروب في أفلام الكرتون

لم أصدّق أنني سأتعلّم يومًا أن أموت
إلا حين كانت حرب بيروت تُغرق تهليلة أمي في البئر
تفوح رائحة الغارات من فرن الطبخ
 يدخل صوت الفدائيّ إلى كاسيت أم كلثوم
 الجماجم التي عبّدت طريق المدينة، تخرج من الملصق المعلّق بجانب السرير وتهدهدني، تقرع فوق رأسي الطريّ مثل لطميّة طويلة. فأتوقف عن البكاء، أو يتوقف أصحابها عن البكاء فيها.

ينمو قلبي في البئر كشجرة رمّان، كلّما انكسر غصن أتسلّق آخر في الطريق إليك. ينكسر كلّي، فأصير عشًّا. الطيور تنظر في الماء فترى وجه بوسنيّة يضحك أنظر فيه فأرى وجهك.

أنا طفلة الأنابيب التي هُجنت في مختبر طبّي
شممت رائحة خيول ميتة في مني أبي
 وانسحبت
 ولدت في الشهر السابع
بعد أن لطمنني بوسنيّاتٌ في رحم أمي
 وانسحبت

لم أصدّق أنني سأتعلّم يومًا أن أموت
 إلا حين ارتكبت مجزرة الخليل على كعكة عيدي التاسع. أشعلتُ الشموع على سجاجيد بيت إبراهيم. ذابت هناك وحيدةً ولم يغنّ عليها أحد. أغاني العيد تسقط في البئر، الهدايا تسقط نذور ثأر في حقيبتي
لو أنّ للنذور أيادٍ لحفرت قبري
لو أنّ لأشجار اللوز نخاعًا شوكيًا لداسته
لو أنّ للجبال قصائد لمدحته
لو أن لدموع البوسنيّات مناقير ومخالب لنقرت حجارته
ولخرجت
أتعلّم الدرس الأوّل
أن الجمجمة المهشّمة في الملصق جمجمتي
وأنّ الدم فوق قميصي
إنما دمي


17‏/4‏/2013

تراجيديا الأنثى الفلسطينية في قصائد أسماء عزايزة


راسم المدهون

فداحة حياة تشبه الميثولوجيا تلك التي تكتب منها أسماء عزايزة، أو لأقل بيقين أكبر التي تنهل منها مياهاً تحاول أن تخبئها في سلال تسيل على الذاكرة والطرقات وعلى القصائد. الشاعرة الفلسطينية تحمل قصائدها التباسات الأمكنة التي تتعدَد وتأخذ عناوين مختلفة، تنتمي بدورها إلى كل تلك الأماكن، هي التي جاءت من وراء «الخط الأخضر» مشبعة برطوبة بحر عكا وذكريات النفي القسري في الوطن، تعيش أيضاً في رام الله، تكتب الشعر عن واقع فريد بل بالغ الغرابة إلى حد يقارب الميثولوجيا.
«ليوا» صرخة يطلقها الصيادون الفلسطينيون وهم يجرُون شباك صيدهم من الماء، سمعناها صغاراً، وها هي أسماء تستعيدها عنواناً لمجموعتها الشعرية الجديدة، بما تحمله الكلمة من نذر عصف حياة كاملة كانت هنا يوماً، وها هي تتنفس بصعوبة، تقاوم النسيان والذبول، عارية إلا من قوَة الوجد، وجبروت الإنتماء. 

في «ليوا» (منشورات الأهلية – عمان) تجتاز أسماء عزايزة عتبات قصائدها الأولى التي فرحنا بها وبشَرتنا بصوت شعري صافٍ من «هناك»، ولعلّي أزيد فأشير إلى نداوة أنثوية تقطّر الصورة من شوائب وعي يرى ما يحيط بفزع مرَة وبألم عاصف أغلب المرَات. الشاعرة المرأة تبدو هنا كمن تصغي طويلاً لتبوح قليلاً، وهي في إصغائها وبوحها تعيد ترتيب المشاهد، الأشياء والموجودات الحسّية، وحتى صورة «الآخر» في أناة لا تخلو من القلق. مع هذه المجموعة الشعرية أنتبه بالذات إلى ما يشبه الحقيقة الغائبة: كلُ ما قرأته من شعر فلسطيني جميل جاء من الجليل كان شعراً ذكورياً، على رغم ظهور شاعرات كتبن ووصل نتاجهنَ إلينا ولو بدرجات متفاوتة، لكن ذلك الشعر ظلَ أقلَ من «الإشتباك» الجدّي، العميق مع واقعه بالغ الإستثنائية.
«الذين ذهبوا في «مشاوير» إلى الشمال،/ وكي لا يفقدوا الذاكرة،/ أخرجوا الأسماك من المياه إلى صُررهم
وهم يصرخون: «لِيوا... لِيوا»/ اصطدنا الذاكرة دون طُعم».
في قصائد «ليوا» تحديق في عتمة التراجيديا الفلسطينية في إحاطتها بالمصائر العامة والفردية، لعلَ أهم ما فيه وثوبه غير المباشر للقبض على المشهد، الواقعي والمشبع بصور الذاكرة ومشاهدها. الحياة هنا مشاهد جزئية، صغيرة، متلاحقة ولكنها غير عابرة. سأقول أن هذا الاقتراب من المشهد التراجيدي يعثر على جمالياته الفنية من بنائيات شعرية تقوم على كثافة الجملة وتعبيريتها معاً: أسماء عزايزة تكتب بلغة «الإخبار»، هي بمعنى ما «تسرد» و «تروي»، ولكنها خلال ذلك تحتفظ بخيط لامرئي يربط كلَ ما ترى وتسمع بروح الأنثى العاصفة والباحثة عن فضاء آخر مختلف:
«لو أني لم أُطرد من بيت إيليّا / وأُجبر على ترك مقعده البارد فجأةً/ لو أني واصلت جرَّ قمره الممتلئ / إلى حضن الجبل/ لكنت راقبت جيوشه الطالعة من البحر/ تجر أساطيله النيئة».
في قصائد المجموعة تحضر «نتف» من صورة «الآخر»، ولنقل بدقة أكبر من وعيه المشبع بالميثولوجيا، فالشاعرة إذ تتجوَل في محيطها بشواهده المختلفة تفعل ذلك في إدراك لما فيه أيضاً من جموح التناقض وعصف الغرابة. شاعرية أسماء تبني خطوطها في إطار «قصيدة انثر» ولكن بالإتكاء على بوح رقيق يرى جمالياته في بساطة اللغة والكلمات التي تجتهد وتنجح في جعل الصورة الشعرية حجر الزاوية. أسماء شاعرة تبدو مسكونة برسم الفكرة تماماً كما برسم المشاهد الحياتية، وهي تكتب من حدقة مفتوحة على فاجعة كبرى تقبض على كل شيء بما في ذلك الشعر، الذي يبدو هنا أقرب إلى شهادات روحية لامرأة تتأمَل وتبوح. بعض ذلك رأيناه وقرأناه في تجربة الشاعر الراحل محمود درويش المميزة وبالغة الثراء، ولكننا نعاينه هنا من حدقة أنثوية لها حساسيتها وانفعالاتها الخاصة، وهي تستفيد من منجز قصيدة النثر العربية في تجاربها الأجمل والأعمق لتكتب قصيدتها هي، الطافحة بروحها والمعبّرة عن ملامح تجربتها الشخصية.
سأقول بثقة إن مجموعة أسماء الجديدة «ليوا» هي بالتأكيد صورة حضورها الأكثر نضجاً في ساحة الشعر الفلسطيني الجديد التي ربحت شاعرة لها صوتها الخاص، المميَز والحميم.


10‏/12‏/2012

جنديٌّ من قاسيون


عمل للفنانة رندة مداح- الجولان السوري المحتل




ولدتُ على سفح قاسيون
انتزعت من الدنيا أحلامًا
في يقظتي ومنامي

من بينها
أن أظلَّ واقفًا على رأسه   
كجندي أشوس
وأن أسلخ جناح الغراب بهمة جزار
إذا ما أطلّ يومًا من شباك بيتي

اليوم
أنزل مخلوعًا من أدرعي ومتاريسي التي
صنعها حدادون وهميون في سوق الحميدية

اليوم دقّت الحربُ

رحل الحدادون وتركوا حديدهم
يبرد على المساطب

الحرب لا تعدُّ ضحاياها
إنها تعدُّ لهم التراب فحسب

غرفةٌ معتمةٌ
أنقل إليها عتادي الذي
من غبارٍ ومن دمٍ يصرخُ
وشريطَ ذكرياتٍ
معلقًا على ألواح حديدية باردة
يقف خلفها جندي
لا زال يحلم بجناح الغراب.

8‏/5‏/2012

قطع | أسماء عزايزة وشادي زقطان



أنا وأنتَ
قطعُ سلمون نيئة
تقطِّعنا سكاكينُ طباخٍ ماهرٍ

وحده ليلي السالم
يسيرُ قطعةً واحدة دون انتهاء
وحده هذا الليل

9‏/2‏/2012

حمدي شوقي: الخط المتربص بظل القصيدة






| أسماء عزايزة |

ليس من السهل، ولكن من الممتع، أن تنكشف إلى التشابه الشديد بين أشكال فنية في لحظة واحدة. التشابه في الصورة الحية المرئية وتلك الصلبة المضمورة، التشابه في أسلوب تقديم الفكرة/ الاستعارة، والتشابه حتى في الأدوات المنتقاة من أجل خدمتها.
يقدِّم الفنان حمدي شوقي (عمَّان) "رسومات من حافة البياض" كأعمال بصرية شريكة للمجموعة الشعرية "عشر نساء" (المؤسسة العربية/ 2009) للشاعرة الفلسطينية المقيمة في الأردن جمانة مصطفى. وكأنه فيها يتقصَّد تقفي أثر القصائد؛ يسدل خيط قلمه على خيوط الشعر التي تربط نصوص جمانة تحت نفس الشرشف "عشر نساء"، كأنه يتربص بظلالها، لا يواجهها ولا يريها نفسه أو طرفه، تلك القصائد العشيقة، يبتربص بظلالها بذكاء ورشاقة شاب عشرينيّ، وبصدقه، أيضًا. فيدرك كنهها ويعيد ترتيبها من جديد، على طريقته. ثمة بُخل بصري في التقنية التي يستخدمها شوقي؛ في المعطيات البصرية التي قد تغني العين، إلا أنها، برأيي تشبه القصيدة؛ مختصرة وبخيلة الألفاظ والكلمات، إلا أنها تضمر عالمًا بأكمله، هنا تتشابه المناطق التي يعمل فيها الفنان بتلك التي تكتب فيها جمانة. فنجد الرسمة الأولى (من الأعلى) تقابل هذه السطور: "كيف حالًهُ../ صانعُ الأقفاصِ الذي عشِقَ أجمَلَها/ فحبَسَ ذاتَهُ فيه/ ونسِيَ صنْعَتَهُ خارجًا". أما الرسمة الثانية (من الأعلى) فتحاكي هذه: "أستنسخُ مني أخرى/ أضحكُ مرتينِ/ أشهقُ مرتينِ/ أتقلبُ أربعًا/ أزورك جمانتينِ/ وأعودُ واحدةْ". نلحظ كرم الفنان تجاه خياله وتجسيده من خلال خطٍّ رفيع ودقيق ومرهف، إلا أنه واضح وحاد تمامًا كقصائد جمانة، فالقصيدة بالغة الحساسية تجاه اللحظة المحمَّلة إلا أنها قاسية القول والبوح، ذات عاطفة قوية لا تهزها التجربة أو اللغة: "عصافيرك تقفُ على شراييني/ وتقطرُ طبائعك/ على الشِّريانِ العاري/ أحبُّكَ على ذمةِ اللحظة/ وأخالفُ رأيَ السجائر/ وأعودُ بقبّعةٍ فارغة إلى أوراقي كلَّ مرةٍ/ وأقولُ:/ هذه غلّةُ القلبِ اليوم"، يرسم حمدي قبالتها الرسمة الثالثة (من الأعلى)، ثمة "نعومة" في الصورة الشعرية، وكذلك في الصورة المرئية، تشبه المعجم الذي استخدمته جمانة كـالعصافير والشرايين والاعتراف بالحب، إلا أنها، أيضًا، صورة واضحة وواثقة وغير متلعثمة وحادة وصريحة. كذلك تبدو رسومات حمدي، واضحة المعالم والخطوط ، فتبوح كما تبوح القصائد وتوارب كما توارب. إنها مواربة اللغة في الشعر وليس مواربة الحياة. كذلك الخط غير الآبه بواقعية الأشياء إلا أنه يصرِّح بها، حتى وإن دفع أقاصي خيالها ثمنًا للمكاشفة.

عن موقع قديتا. نت

12‏/11‏/2011

أسماء عزايزة... ذاكرة سمكة



رشا حلوة

عكّا | قررت أسماء عزايزة (1985) أن تمنح مجموعتها الشعرية الأولى عنوان «ليوا» (دار الأهلية/ عمّان)، الحاصلة على جائزة الكاتب الشاب في حقل الشعر ضمن مسابقة «الكاتب الشاب» (2010) لـ«مؤسسة عبد المحسن القطان» في رام الله المحتلة. و«لِيوا» هي العبارة التي يستخدمها صيادو عكّا، عند انتشال الشباك من الماء، فيقولون: «لِيوا شباك».
«لِيوا» أيضاً هو اسم الباب الأول في مجموعة عزايزة... وهي بالنسبة إلى الشاعرة مرحلة انتقال السمك من الحياة إلى الموت، من المياه إلى البرّ. إنّها تعبير مجازي عن حالة السفر الجسدي والنفسي. تتحوّل الأسماك هنا إلى تعبير عن الذاكرة الفردية والجماعية للشعب الفلسطيني منذ نكبته، أو كما يقول المثل: «ذاكرته مثل السمكة».
تكتب عزايزة عن ارتباط السفر/ التهجير بالذاكرة: «الآن، لا بحر لتغني شباك الصيد عند السفر/ الآن، تموت الأسماك في الصُرر/ ولا تموت الذاكرة». تقدّم الشاعرة الشابة القصائد القصيرة، محمّلة بفلسفة مستوحاة من الأمثال الشعبية، إضافة إلى رومانسية غامضة. اللافت، أنّ ابنة قرية الدبورية (الجليل) تستخدم كلمات عبريّة في بعض قصائدها، كما في قصيدة «في وادي الصليب» (وهو اسم لحيّ في حيفا هُجر في النكبة)؛ ««أرتسي»/ «زو أرتسي»؛ أولادٌ يتدربون على نطقها/ وهم يفكون أخشاب الصليب ويلقونها/ نحو الغرب». في هذه القصيدة تنقل صورة عن بيت مهجور كُتب على إحدى جدرانه باللغة العبرية «زو أرتسي»، أي «هذه أرضي»، في حيّ «وادي الصليب»، وهو الشاهد الأكبر على ما حلّ بفلسطين منذ النكبة.
تحضر تيمة السفر بقوّة في قصائد عزايزة. تكتب قصيدة بعنوان «بايرويت»، على اسم مدينة ألمانية أمضت فيها شاعرتنا شهرين، إذ تأثرت بالمدينة، وبشخصية الموسيقي الشهير فاغنر الذي أقام فيها وترك بصمات واضحة على ذاكرتها. تأتي قصائدها مشحونة بصور من أسفارها، كما في «حُلم في برلين» أو في قصيدة «براغ»: «شممتُ رائحة أربعين عاماً تُحلّق فوق حاضرٍ/ تحوم/ يمشي على رؤوس أصابعه،/ شممت فودكا مشبَّعةً بالرصاص». أثر الأدب والموروث العالمي حاضر عموماً في الديوان، كما في قصيدة «دفتر شكسبير»: «أقتحمُ غرفته وأسرق طيف أبي هاملت/ أضع صوته الشبحيّ في جيبي».
تختتم عزايزة باكورتها بقصيدة «تركتُ العنوان في السمكة»، لتعود إلى محور كتابها الأساسي وهو الذاكرة الفردية والجماعية. ««تملكُ ذاكرة سمكة»؛/ هكذا جاء في شهادة الميلاد./ ربما جعلتُ ذاكرتي تنزلق، خطأً،/ نحو ماء النهر./ وربما كان ماء النهر بارداً كالرخام/ فجمّد الذاكرة غذاءً/ للسمكة الوحيدة./ نسيتْ السمكة أن في أحشائها/أنا/ ونسيتُ انزلاقي».