27 أكتوبر, 2009

سَيْل



انتهت الصحراء؛

القصّاصون جرّوا أكياس الرمال وأفرغوها في رأسي.

أرشدوا الريح إليّ كي يلقّح الصبار أصابعي.


انتهت الصحراء وسالت.


ولكنّ الواحات التي نسيها النهر فيها اختفت فجأة

ولم يدلقها أحدٌ في جوفي.

فالقصّاصون لم يجتهدوا ليجدوا أواني الماء

ولا لإقناع غيمةٍ بأن مدىً أكرم ينتظرها


الصحراء في رأسي تنتظر القوافل،

والقوافل تمر في ذاك الفراغ

دون أرض أو دليل.



الصورة: "سيل"، أيضًا، في أحد أسواق فلسطين


لا أحد، وصورتك


لا أحد يحتاجك الآن


لا القطارات المسرعة الضاجّة على يومياتك

تطلب منك تلميع الحديد.

لا الصيادون في آخر ساعات الصيد

لتضيء لهم موجةً وتمضي.


لا أحد يحتاجك اللحظة

وأنت تتأنّق لاستقبال نهاياتك،

وأنت تدسّ ذكرياتك في جيبك

وتظهر نرجسةً على فتحتها.


لا أحد سيلتفت إليك إن صرخت

بأعلى صوتك: "مرحى بالفصول المنتهية

مرحى بي أنا المتجدّد وأنا أضرب رأس الماضي وأغميه".

أو حتى إن قلت: "سأتنازل عن دور البطل حتى لا تلتهمني النهاية،

وإن أجبرتُ على التفرج، سأقتل الراوي".


لا أحد يحتاجك الآن

سوى صورتك القاتمة.

28 سبتمبر, 2009

مسْخ


كلُّ ذلك البهاء الممتد على وجهكَ

مسخته ساحرة من ريفك إلى قط مشرّد

أطعمه لحمي كلّ ليلة


بهاؤك الذي ورّطني ذات صيف

تحت شجرة لا تنبت في بلادنا،

يقتات الآن من جلدي،

ثم يلبسني النهار..


أيها الضوء الخافت هناك

حدثني عن جلده الميّت، أما زال يغني كلّ صباح؟

أما زالت عصافيره تنقر تفاحة تلو الأخرى

وتبحث عن جديدة صالحة؟


لو أن الأشجار لا تنظر إلى السماء دومًا

للاحظت لون قميصي وحفظته.

لو أنها لا تسّاقط، لتذكرتني

ونادت قلبي الساخط

وربّتت على كاهله المأكول.


أنا أيضًا أغني كل صباح

أنا أيضًا أنسى الأشجار حين تنسى قميصي.


27 أيلول 2009



هذا النص، قد يكون أول ما يكسر المحل الذي حل على كل محلّ (عليّ، على الوقت والمكان، وعلى أزرار حاسوبي المتلهفة). محلُ أيار يمتد إلى أيلول.. وأيلول الأسود يشعّ، لمرة واحدة، هي هذه.. أحبه لأنه جاء ليجيء، لا لسبب آخر. كالذي يسافر إلى بلد مجهول، من أجل فكرة السفر فقط..
الصورة: عصفور "واحد" على شجرة في مساكن الطلبة في Bayreuth

19 سبتمبر, 2009

ما أكثر الكتب حين تكون قادمًا جديدًا!


أجفل كلما تذكرت بأني تخيلت مرةً أن أكون روسية من القادمين الجدد إلى "إسرائيل"! "لو أنك تعرفين الروسية، لما خرجت الآن من هنا، فلدي كتب قيمة، أفضل من الثلاثين مكتبة المتواجدة في منطقة الهدار"، قالها لي بائع كتب مستعملة، روسي من القادمين "القدماء". ثلاثون مكان لبيع الكتب الروسية في الهدار وحده (وهو حي في مدينة حيفا، مكون من ثمانية شوارع على الأكثر)! عدد المكتبات العبرية في الهدار لا يقل بكثير، وغالبيتها تبيع الكتب المستعملة، وبأسعار بخسة. مكتبات لا تربح الكثير ربما، ولكن همها الأكبر توفير كتب قيمة قلما يلتفت إليها السوق "التجاري" أو قراء الكتب "الأكثر مبيعًا". في المقابل، هناك مكتبة عربية واحدة ووحيدة في حيفا توصف على أنها "المستورد الأكبر للكتب التعليمية والتربوية في اللغة العربية داخل إسرائيل"، ولكني لم أزرها قط. ربما لتواجدها في منطقة غريبة وبعيدة بحيث أخال أحيانًا أن الوصول إلى مكتبات عمان يبدو أقل تعقيدًا، أو ربما لأنها، وببساطة، نادرًا ما تعرض (في معارضها المتنقلة) كتبًا قليلة الاستهلاك في العالم العربي، أو كلاسيكيات عربية وغربية، أو ما يترجمه العالم العربي (بالرغم من قلته وضحالة جودته).
لعلّ مشهد مكتبات حيفا الروسية والعبرية والعربية يبدو كريكاتوريًا، ولكنه نموذجًا حقيقيًا يعكس مشاهد مماثلة في المدن المختلطة في فلسطين المحتلة عام 1948؛ مثل يافا وعكا وغيرهما. لذلك، وأمام صورة بائسة كهذه، يصعب الحديث عن المكتبات العربية وعما تقدّمه، فهي تكاد تكون وهمية رغم وجود عدد منها (على شاكلة مكتبة حيفا الوحيدة) في المدن العربية مثل الناصرة وأم الفحم وباقة الغربية، وذلك بسبب خلل في العلاقة بينها وبين القارئ العربي. وهنا، لا يحرضنا الأخير إلى فحص اهتمامه في الكتاب، فحاله كحال القارئ العربي (المعدّل) في العالم العربي. وإذا ما أقدمنا على معاينة العطب المصابة به المكتبات العربية، أجد على الأقل عائقان أمام التخلص من هذا العطب. أولهما التعامل مع الكتاب كسلعة "تجارية"، والكفيل بتحويل ثقافة بيع الكتاب (بالمعنى الثقافي لكلمة بيع) إلى بزنس استيراد؛ تزوير مؤلفات (الأكثر مبيعًا) وطباعة آلاف النسخ منها وتوزيعها في السوق، هكذا توفّر بعض "المكتبات" غذاءها، فقد لا "تعيش" إذا ما اعتمدت على ما يشتريه القارئ العربي في الداخل الفلسطيني. إنها دائرة مفرغة لا خلاص منها؛ فالمكتبات تجد بهذه التجارة منفسًا، لأن القارئ العربي سيكون السبب في إغلاقها إن لم تتاجر بالكتاب بهذه الصورة الشرهة. أما العائق الثاني، الأهم، فهو الاحتلال.
ربما لا يبدو الاحتلال حاجزًا مباشرًا أمام استيراد الكتب من الدول العربية المجاورة، على اعتبار أن إسرائيل تسمح للمكتبات العربية بذلك، مؤقتًا على الأقل! ولكنه استيراد يقتصر على مصر والأردن، بما في ذلك ما يصلهما من منشورات صادرة عن دور نشر سورية ولبنانية. باختصار، تمر كتب تستحق الاستيراد كالبيروتية النشر مشوارًا شاقًا من بيروت إلى عمان ومن ثم إلى حيفا، إن وصلت أصلا، وإن اهتم صاحب المكتبة العربية بها، كذلك. وإن أتمت الكتب هذه المشاوير، فقد تكون مؤقتة إلى حين تُصدر المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها الأخير بشأن منع الكتب الصادرة في بيروت ودمشق من الوصول إلى إسرائيل، وإن مرّت عبر الطرق "الشرعية" المصرية أو الأردنية. وظهرت هذه النوايا الإسرائيلية بعد أن تلقى صالح عباسي، صاحب مكتبة "كل شيء" في شهر أغسطس/ آب 2008 رسالة من وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل تبلغه عن عدم تجديد رخصته لاستيراد الكتب التي تصدر في "دولة عدو"، وذالك وفقا لقانون "أمر انتدابي"- "التجارة مع العدو" الذي سن عام 1939. على إثر هذه الرسالة، قدّم مركز "عدالة"- "المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل" في الثامن والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2009، التماسًا للمحكمة العليا، أعده المحامي حسن جبارين والمحامية حنين نعامنة، مطالبا بالسماح لمكتبة "كل شيء" أن تستورد كتبًا من الأردن ومصر، والتي تصدر عن دور النشر في سوريا ولبنان. فالمكتبة، وكما أشار المركز في بيان صحفي، تقوم المكتبة باستيراد الكتب من مصر منذ ثلاثين عامًا، ومن الأردن منذ العام 1993، حيث كان على المكتبة أن تحرص على الحصول على التصاريح اللازمة من هيئة الرقابة المركزية الإٍسرائيلية قبل استيراد أي كتاب. ويذكر التماس مركز "عدالة" أن "أمر منع التجارة مع العدو" هو قانون انتدابي سن على خلفية الحرب العالمية الأولى، بهدف منع التجارة دون رقابة والتي من الممكن أن تشكل تهديدًا أمنيا. فالمنع الشامل الذي يفرضه هذا القانون ليس له أي تبرير منطقي، خاصة وأن جميع البضائع التي تستورد تعبر فحصًا أمنيًا مشددًا. ولكن في كلتي الحالتين، أُقرّ أمر المنع أم لم يقرّ، سأقوم "بشروة" الكتب القادمة في "الأهالي" في عمان، أو "المدبولي" في القاهرة.

(نُشر في مجلة أخبار الأدب، في ملحق خاص عن النشر في فلسطين، أعدته الكاتبة المصرية منصورة عز الدين)

"إذ قال يوسُف".. التجربة الفردية والجامعة


"في "إذ قال يوسف"؛ يكتب ويخرج نزار زعبي قصة إنسانية لشخوص يعاصرون النكبة وتداعياتها الفردية والجمعية، ويزجّ نخبة من الممثلين الفلسطينيين في صلبها؛ من بينهم يوسف أبو وردة وتيريز سليمان * أبو وردة يتحدث عن عودته إلى المسرح العربي وعن "معضلات" المسرح العبري حين يحتاج "إلينا" * عن علاقتها المختلفة بالمسرح، من الغناء إلى التمثيل، لأول مرة، تتحدث سليمان *

//
* أبو وردة: "إن القضية الإنسانية التي تعرض إليها المسرحية هي ذاك البتر "المشوِّه لكل مكونات حياتنا الطبيعية، إنه الشرخ الذي سببته النكبة في علاقاتنا الطبيعية مع المحيط".
* سليمان: "أعتقد أنني أدرك حجم الطاقة التي يمنحني إياها المسرح من خلال الغناء. ولكنني الآن أمام تجربة تجعلني أشعر بهذه الطاقة أو السحر ولكن بطريقة مختلفة تمامًا".
//


يكتب نزار زعبي ويخرج شخصيات متعدّدة وذات أبعاد وسمات مختلفة تؤديها مجموعة من الممثلين هم؛ سلوى نقارة، عامر حليحل، علي سليمان، طاهر نجيب، سماء واكيم، بالإضافة إلى يوسف أبو وردة وتيريز سليمان. ويتحدّث يوسف عن الأدوار التي يؤديها، وعن خيط أو فكرة تربط مجموعة من الشخوص وهي، كما وصفها، "بتر لمكوناتنا الطبيعية"، "الملفت في العمل أنه يعرض إلى قطع المسار الطبيعي لعلاقاتنا الإنسانية، وهو قطع قاسٍ ولكنه مثير يجعلنا نتساءل؛ ماذا لو لم يحدث هذا؟ ثم إن هذا البتر المشوَّه لعلاقاتنا الطبيعية يأتي على أشكال عدّة؛ بين الأفراد وبين الفرد والطبيعة وما إلى ذلك. وتأتي علاقة الحب بين علي وندى مثالا على ذلك، فبسبب استشهاد علي، تُبتر علاقتهما وتعيش ندى مع أخيه المعاق يوسف (والذي أؤدي دوره)، فبالتالي الحياة التي يعيشانها ندى ويوسف هي غير طبيعية"، يقول أبو وردة. ويردف: "كذلك الأمر بالنسبة لعلاقة الإنسان مع الطبيعة المحيطة؛ أؤدي في المسرحية دور شخص تربطه بشجرة علاقة ما؛ لعلّها مكان آمن لأحلامه، ولكنها تتحول إلى كوابيس بمجرد أن يدرك فكرة أن الآخرين سيمارسون أحلامهم "تحتها" بدلا منه، فيقرر قلعها وزرعها في مكانه الجديد، إنه أيضًا تشويه وعبثية علاقة الفرد بطبيعته. تتطابق الفكرة في مشهد آخر يعرض إلى علاقة الأب بابنته، والتي تُشرخ بسبب قتل الأخ في معمعة الأحداث، يختلط الإحساس بالذنب بالرغبة في الرحيل أو البقاء في المكان. في نهاية المطاف، نرى الصراع الذي تولده أحداث النكبة بيننا وبين محيطنا بكل مكوناته، وحتى بين عناصر الطبيعة نفسها، هذه هي نظرة "يوسف" المعاق، نظرته العادية ولكن غير الخالية من الحكمة، والتي تجعله يرى الصراع متجسدًا في الطبيعة".
أما تيريز سليمان، فتؤدي دور شابة من قرية "بيسمون" والتي تهجر إثر أحداث النكبة آنذاك، وهي شابة تحلم بأن تصبح مغنية مشهورة وأن تتاح لها الفرصة للسفر، حيث ترى بعلاقتها مع "جندي بريطاني" حلا أو منفسا لذاك الحلم. كما وتؤدي دور امرأة من حيفا تشهد مقتل أخيها ونهش الكلاب لجثته، "إنه مكان مؤلم، موجع وبشع، وبعيد عني، على عكس الشخصية الأولى، تقول تيريز. وفي سؤال حول الطريقة التي تعاملت فيها سليمان مع هذه الأدوار متباينة الأبعاد، قالت: "إن جلّ جهدي بذلته على دور أخت القتيل، كنت فيه بحاجة إلى أن أبحث عن أكثر المناطق حلكة وحساسية فيّ، حتى أتمكن من التعامل معه على الخشبة بالشكل الأصح. وهذا ما لا أواجهه في الغناء، ولكنه تحدٍ كبير جعلني أدرك أن عالم التمثيل هو شاسع وقاسٍ يطلب من الممثل أن يكتشف في ذاته أكثر الأماكن خصوصية وحلكة، وأن من لا يقوى على ذلك فمكانه ليس في المسرح". وتضيف تيريز: "هذا هو الأمر الذي جعلني أشعر بالمسؤولية تجاه بقية الزملاء. فالأدوات والتقنيات التي أحتاجها من أجل شحن طاقات كبيرة لإتقان هذا الدور الصعب، قد تكون أسهل بكثير بالنسبة لممثلين محترفين ومتمرسين. ومن خلال هذا، أدركت أيضًا أننا عندما نشاهد مسرحية ما، نحن نشاهد أيضًا لحظات حساسة وصعبة يعيشها الممثل، وهي تستحق المشاهدة".


العناصر الأولية الدافعة

في سؤال حول الدوافع التي جعلت من تيريز سليمان "المغنية" تقدم على عمل مسرحي، هو تجربتها الأولى؛ "أظن بأن المسرحية، بجميع جوانبها، خاصة تركيبة الطاقم الفني والإداري، المهني برأيي، جعلني أندفع باتجاه العمل في هذه المسرحية دون تردد"، تقول تيريز. ولكنها تستدرك: "بقدر ما يمنحني هذا الطاقم طاقة، أظنها هي دافعي الأول، بقدر ما أشعر بالمقابل بمسؤولية كبيرة كوني "مجرّبة" وسط ممثلين محترفين؛ إنه الحرص على أن أثبت بأني جديرة بهذا المكان". بالنسبة لها، بدا العمل مثيرًا منذ اللحظة الأولى؛ مذ توجه إليها المخرج نزار أمير زعبي واقترح عليها المشاركة في المسرحية. "حتى قبل أن أقرأ نص المسرحية، كنت على ثقة بأني أقف أمام عمل مهني وجدير. فأعتقد أن نزار هو مخرج رائع يتعامل بحساسية عالية مع الأمور المطروحة؛ إذ يطرحها هنا من زوايا أخرى غير مألوفة لنا. لا شك بأن النص يلامس أماكن وتفاصيل صغيرة في شخصيتي، قبل أن يلمس القضية الكبيرة العامة؛ النكبة، إنها النكبة الشخصية لكلٍ منا"، تقول سليمان. كذلك الأمر بالنسبة ليوسف أبو وردة، الذي يعود إلى خشبة المسرح العربي بعد انقطاع طويل عنها. "قبلت المشاركة في هذا العمل لأسباب عدة، أولها أن النص كتب بشكل جميل، ثم إنه يروي قصة تهمني شخصيًا، وتدفعني إلى التفاعل معها بسلاسة. بالإضافة إلى أن النص هو إنتاج محلي؛ يتناول قضية تمت لكل شخص منا بصلة مباشرة. أما العناصر العاملة على المسرحية ساهمت كذلك في مشاركتي؛ الممثلين، المخرج والإدارة، طاقم تمنيت العمل معه في السابق، وها هي الفرصة قد سنحت". عند الخوض بجزئية انقطاع أبو وردة عن المسرح العربي سنين عدّة، يشير إلى عدم وجود الفرص المناسبة. وإن سنحت بعضها، تتزامن مع عمله في أماكن أخرى؛ فقد اقترحت عليه المشاركة في مسرحية "عطسة" والذي أنتجها شبر حر أيضً، ولكنها تزامنت مع عمله في فيلم "أمريكا". "ثم إن الأعمال التي عرضت عليّ بشكل عام، لم تكن ذات جاذبية كافية حتى أخوضها"، يضيف أبو وردة.


أبو وردة.. اللجوء القسري للمسرح العبري


سألت يوسف إن كان قد شعر بمسؤولية تجاه المسرح العربي الذي انقطع عنه، أجاب: "ليس على هذه "المسؤولية" أن تجرني إلى المشاركة في أعمال أنا غير راضٍ عنها. إن المسؤولية تكمن تجاه العمل نفسه، أن أكون راضٍ عن مستواه ومكوناته. وفي الواقع، لم أنقطع عن المسرح العربي بإرادتي، إذ لطالما تمنيت البقاء هناك، ولكن لا تتوفر فرص جذابة وجديرة، أما بالنسبة لـ"إذ قال يوسف"، فالعناصر الأولية التي تبنيه، تمنحني الثقة بأني أقف أمام عمل ذي جوانب مهنية". ويضيف شارحًا توجهات المسارح العبرية فيما يتعلق بالممثلين العرب: "إن عملنا في المسارح العبرية ما قبل الانتفاضة الثانية حمل نوعًا من الأمل وربما السذاجة، لكنه كان بحاجة إلى وجودنا "الوظائفي" والسياسي. وبعد أن هبطت موجة المسرح العبري، أخذ كل منا اتجاهًا مختلفًا وشرعنا بالمحاربة على مكاننا الطبيعي غير المحدود بالمعنى الوظائفي. ومن ثم توجهنا لإقامة مسرح عربي يلبي احتياجات الممثلين المحترفين. لم نحقق ما أردنا بالضبط، فهنالك فجوة بين الواقع والحلم، ولكنه أقيم". وهنا يشير يوسف إلى قضية "بتر العلاقات الطبيعية" آنفة الذكر، ويقول أن الحالة الطبيعية هي أن يعمل في المسرح العربي، وألا يحتاج إلى المسارح العبرية، ولكن الخيارات التي يتيحها الأول محدودة، على حد تعبيره. ويردف محدثًا عن الأعمال والمسلسلات العبرية التي انخرط بها: "عندما عملت في المسرح العربي، كنت أرفض الأعمال العبرية التي تعرض عليّ. ولكنني اليوم، بسبب محدودية المسرح العربي، أجد نفسي مضطرًا لقبولها رغم سخافتها أحيانًا، وذلك لأسباب في معظمها مادية". ويستدرك: "ولكن ذلك لا يجعلني أقبل كل الأعمال العبرية التي تعرض عليّ، فهنالك أيضًا انتقائية تفرضها حدود لا أقبل بكسرها أو تجاوزها". وعن هذه الحدود يشرح أبو وردة موقفه من أداء العرب لأدوار وظائفية لكونهم عربًا، فهو يرفض أن يؤدي دور العربي الذي يكتبه الإسرائيلي من وجهة نظره، ويفضل بالمقابل أن يؤدي دور الإسرائيلي، هذا إذا كان العمل بالأساس يناسبه ويناسب مواقفه. "ما أعنيه في نهاية المطاف، هو أن المشهد العبري، في المسرح أو التلفزيون، لم ولن يكون "المهرب الواسع والآمن" فهو أيضًا مشروط ومقيّد بسبب مبادئ أسير وفقها"، يقول يوسف.
أما فيما يخص وجوده في مجموعة "شبر حر" المسرحية، ورأيه حيال توجهاتها وسعيها لخلق مشهد مسرحي فلسطيني مختلف، يقول: "لا شك في وجود تجربة ملفتة، وأفق واضح للاستمرار فيها. أنا شخصيًا لم أدخل إلى هذا العمل بسبب استراتيجية طويلة الأمد أو مشروع بناء مسرحي، ولكني ببساطة أقول أنني على استعداد تام للعمل مع هذه المجموعة في كل ما تطرحه عليّ مستقبلا. فقد أحببت فكرة الانسلاخ عن فكرة المؤسسة، والتي بطبيعة الحال منوطة بقيود ومصالح وحاجيات، والذي يولد روح حرة ومبدعة". وعن عمله، هو صاحب الباع والخبرة الطويلة في مجال التمثيل، برفقة تيريز سليمان وسماء واكيم، بتجربتهما الأولى، يقول: "بغض النظر عن التجربة المسرحية، فإن لكل خصوصيته وهي ملحوظة. فإن ما تجلبه تيريز بصوتها وسماء بحركتها على المسرح هو كفيل بأن يملأ ما يسمى "النقص" في التجربة على المسرح".


سليمان.. تَقاطع التمثيل والغناء


تيريز سليمان، الفتاة الحيفاوية التي عرفت على خشبات المسارح من خلال "صوتها"، تخوض الآن تجربة لعلها مشابهة ببعض الأوجه، ولكنها مختلفة إلى حد كبير. وعن هذا التباين والتشابه، تقول: "لطالما وددت الخوض في تجربة مسرحية تدمج بين الغناء والتمثيل. وبالتزامن مع مسرحية "إذ قال يوسف" عرضت عليّ المشاركة في أعمال أخرى، ولكنني جزمت مشاركتي في هذا العمل بالتحديد بسبب اتفاقي مع جميع عناصره المختلفة؛ كالمخرج والنص وطاقم الممثلين الخ.. بالإضافة إلى أنني أشعر بأني أقف بين أيدٍ أمينة، أي أن لا شيئ سيدفع نزار زعبي إلى المغامرة في إشراك شخوص عديمي التجرب، وأنا على ثقة بقراراته واختياراته". أما عن نقاط التقاء الغناء بالتمثيل، فتقول سليمان: "أعتقد أنني أدرك حجم الطاقة التي يمنحني إياها المسرح من خلال الغناء. ولكنني الآن أمام تجربة تجعلني أشعر بهذه الطاقة أو السحر ولكن بطريقة مختلفة تمامًا، فكنت بحاجة إلى يد العون، وفي الأساس تلقيت المساعدة من نزار زعبي وعامر حليحل". وتضيف: "في الغناء يسهل التعامل مع الإنزلاقات أو المطبات أو اللحظات غير المتينة، ولكنني أجد التمثيل غير مرن تجاه مثل هذه اللحظات، هذه أحد الصعوبات التي تجعلني أكثر حذرًا في التمثيل، على عكس الغناء. ولكن لا شك بأن الأدوات التي أكتسبها الآن منه تساعدني على أداء الغناء، كالوقوف بحرية على المسرح، التعامل مع الجمهور، التعامل مع الأحاسيس الداخلية وكيفية إخراجها أو ضبطها". وتصف تيريز هذه التجربة بأنها من أهم التجارب التي خاضتها حتى الآن، على الصعيدين المهني والإنساني، "هنالك جوانب في شخصيتي أشعر بأنها تمر بنضوج ما. ولو خيّرت بأن أبذل مجهودًا مضاعفًا في سبيل أن أشارك في أعمال قادمة مع هذه المجموعة، لما ترددت. أما على الصعيد المهني، فقد أضاف لي الجانب الموسيقي في العمل الكثير، وذلك لأنه يعتمد في أساسه على مبدأ الارتجال، دون اللجوء إلى الآلات الموسيقية".

يذكر أن مجموعة "شبر حر" تنتج هذا العمل بالتعاون مع مسرح "يانغ فيك" البريطاني وبدعم من مؤسسة الأمير كلاوس وصندوق الثقافة العربي والمورد العربي. يكتبها ويخرجها نزار أمير زعبي، ترجمة: عامر حليحل، دراماتورغ: ديفيد لان المدير الفني لمسرح "يانغ فيك" في لندن، موسيقى المسرحية: الفنان حبيب شحادة، الديكور والملابس للمصمم البريطاني جون بوسير، الإضاءة: كولين غرينفيل، من مسرح "ينغ فيك". يدير الانتاج الفنان أشرف حنا، ويشرف على التسويق سامي زعبي. وسينطلق العرض الأول للمسرحية في الرابع والعشرين منالشهر الجاري على خشبة الميدان في حيفا، من بعدها يقوم الطاقم بجولة عروض في البلاد، وجولة أخرى في بريطانيا لعرض المسرحية باللغة الإنجليزية.

(الصورة بعدسة خلود طنوس)


إذ قال يوسف: تجاوز الفلكلور وسلخ الشعار عن الضحية


المكان: بيسمون- فلسطين، الزمان: 1948، أحداث تقع بالتزامن/ بسبب النكبة، يصطدم بها أخوان، يعاني أحدهما من عجز جسدي، يعيشان في قرية بيسمون، والتي ستهجر كمئات القرى الفلسطينية. يقع الأخ (سليم الجسد) في حب فتاة من القرية، ولكن زواجهما "يحرّم" بسبب إعاقة أخيه. هنا تبدأ وقائع النكبة، حيث يستشهد الأخ "العاشق"، أما فتاته "ندى" وأخيه فيقرران العيش في رام الله.
المكان: حيفا- فلسطين، الزمان: 2009، يوسف أبو وردة، سلوى نقارة، عامر حليحل، علي سليمان، طاهر نجيب، سماء واكيم وتيريز سليمان، ينقلون لنا هذه الأحداث، أو ينقلونا إليها، بعد أن أعاد كاتبها ومخرجها نزار زعبي عجلة الذاكرة إلى الوراء.. إلى النكبة بمفهومها العام والخاص، معًا، في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، وفي عمل مسرحي أخذ عنوان "إذ قال يوسف".

//
سلوى نقّارة: "إن من يرى بنفسه "ضحية" هو عاجز عن الإبداع والحوار".
عامر حليحل: "إننا نتطلع إلى خلق حالة مسرحية جديدة وإضافية، ولكن ليست بديلة أو منافسة للمشهد القائم".
//


شبر حرّ من الخشبة

"في سعي نحو ابتكار مشهد مسرحي مغاير، جديد، ولكن ليس بديلاً للمشهد القائم"؛ راية ترفعها مجموعة "شبر حر" التي أسسها العام الماضي عدد من المسرحيين الفلسطينيين، يقف على رأسهم صاحب مسرحية "الجدارية" المخرج نزار زعبي. ها هي بعد تجربتها الأولى "عطسة ومسرحيات أخرى"، تقدِم المجموعة على إنتاج عمل مسرحيّ جديد بالتعاون مع أحد أبرز المسارح الأوروبية؛ مسرح Young Vic البريطاني. "إذ قال يوسف"، الذي يكتبه ويخرجه نزار زعبي، يضع "طوبة" في بناء "فرقة مسرحية على نمط الـ ensemble، تجمع بين توجهات فنية ومسرحية وسياسية وتصب في هدف خلق حالة مسرحية غير مألوفة وجديدة، تعتمد في أساس عملها على التجريب والتجديد، وذلك في منأى عن فكرة المسرح كمؤسسة وكجسم يوصف في جانب من جوانبه على أنه "مصدر رزق" للممثلين!"؛ هكذا يصف الفنان عامر حليحل، أحد الممثلين المشاركين في العمل ومترجمه من الإنجليزية إلى العربية، التوجه العام الذي تضعه مجموعة "شبر حر" نصب أعينها. "إن ما تصبو إليه المجموعة هو محاولة "صناعة" مسرح فلسطيني ذي مزية وخاصية متفردة بنا كفلسطينيين، ولكنها لا تسعى لأن تكون بديلا للمشهد المسرحي الحالي، ولا لأن تكون منافسًا له، إنه محاولة خلق المساحة الناتجة عن الحاجة فحسب"، يقول حليحل. "إذ قال يوسف"؛ الذي ينتج بدعم من مؤسسة الأمير كلاوس وصندوق الثقافة العربي والمورد العربي، يصوّر لنا مشهدًا خاصًا وإنسانيًا يبعد عنا ستة عقود من الزمن.


إذ قال اختراق الخطاب السائد

ليس من الذكاء أن نلاحظ بأن القضية التي تعرض إليها مسرحية "إذ قال يوسف"؛ النكبة، هي قضية كثيرًا ما تكون المادة الخام للأعمال الفنية التي يقوم بها الفلسطينييون بشكل عام، وعلى تعدد المجالات الفنية كالمسرح والأدب والفن التشكيلي والموسيقى والسينما. ولا يغيب عن البعض بأن كمًا كبيرًا من هذه الأعمال، وحتى الحديثة منها، تناولت النكبة بصورة فلكلورية وتقليدية جعلت منها قضية شكلية وشعاراتية أفرغتها من معناها الإنساني في معظم الأحايين. وهذا ما جعل من "إذ قال يوسف" عملا لا يتحدى الموضوع فحسب، إنما كيفية التطرق إليه، إلى جوانبه المظلمة، وبأساليب فنية حديثة وغير تقليدية. "إن قضية النكبة هي قضية عالقة ولم تنته، ومن البديهي أن تأخذ حيّزًا كبيرًا من الأعمال الفنية المطروحة خلال هذه السنون الطويلة، ومن الطبيعي أن يشعر أي مبدع بحاجة ملحة لمحاورة هذه القضية. ولكن السؤال الأصعب هو "كيف" وليس "ماذا"؛ نحن لم نجلب موضوعًا جديدًا وغريبًا، إنما حاولنا خلق جوانب ورؤى فنية جديدة"، تقول الفنانة سلوى نقّارة، والتي تقوم بدور "ندى" في المسرحية. ويعطف عامر حليحل على حديثها قائلا: "إن ما جعل تناولنا السائد للنكبة فلكلوريًا هو أننا حولناها إلى قضية سياسية بحتة، بالرغم من أنها قضية إنسانية من الدرجة الأولى؛ ما حل بذاك الفلسطيني الذي فقد حبيبته آنذاك، هو نكبة كبيرة. لذلك، تحاول المسرحية أن تعرض إلى أحداث النكبة من منظوري إنساني. هي أيضًا محاولة لإخراج النكبة من القالب السياسي الذي أدى بها إلى أن تكون قضية إحصائيات وأعداد؛ فالمعنى الحقيقي للنكبة هو ليس في عدد المنازل التي سُحقت والأراضي التي نهبت، إنه في حيوات أولئك الأشخاص. إذن هو سعي لإخراجها من هذه الأنساق المشوِّهة والعودة بها إلى مربعها الإنساني الأول بأساليب فنية ومسرحية حديثة".
وحول الوسائل التي تتعامل بها المسرحية من أجل خرق التوجهات العامة التي تتعلق بالتناول الفني للنكبة، تقول نقّارة: "هنالك، بلا شك، بحث عن لغة فنية جديدة فيما يخص النكبة؛ نحن نتطرق من خلال النص بخاصة والعمل بعامة إلى الحوار مع مفهوم النكبة وليس إلى عرضها كحدث، وذلك من خلال قصص فردية قريبة من الواقع، وهو حوار جدلي وفني مطعم برؤية مسرحية جديدة". ويعرض حليحل إلى نفس السياق: "إننا لسنا في صدد عرض النكبة على شاكلة "تقرير صحفي" معلوماتي، إنما تدغيمها برؤية فنية تعمل على تصوير الجانب الإنساني الأساس فيها".



أن تتجاوز مفهوم "الضحية"

لا يختلف اثنان على أن صعوبة كبيرة تقف أمام المنشغلين في حقول الإبداع في تجريد النكبة ووقائعها وتداعياتها من نسقها البكائيّ والمأساوي الأسطوري. وإن لم يشكل هذا قلقًا عند هؤلاء، يبقى السؤال في التوجه الذي يحدد لهم كيفية التعامل مع هذا الجانب الحسي والعاطفي، خاصة إذا ما شكّل هذا حاجزًا أمام الفن أو الإبداع. وحول هذه النقطة يشير حليحل: "علينا بداية أن نقبض جيدًا على نقطة انطلاقنا وندركها؛ هي بالتأكيد لا تهدف إلى إثارة الشفقة عند المتلقي، ولا إلى عرض حالة "المسكين" و"الضحية" المبكية والمأساوية. من جانب آخر، لا مناص من الاعتراف بالمأساة التي خلفتها النكبة كواقع وحقيقة، ولكنه ليس من وظائف المسرح أن يعمل على إثارة مشاعر الشفقة لدى المتلقي وبالتالي إلى إثارة وعيه، من لا يملك الوعي الكافي تجاه النكبة فهو بحاجة إلى دراسة وليس إلى مشاهدة مسرحية. لا بدّ من القول بأن النكبة هي واقعة وحقيقة واقعية وقاسية، ولكن السؤال الأكبر الذي يتوجب علينا الوقوف أمامه هو المعنى الأعمق من وراء هذه الواقعة، وهو إنساني بطبيعة الحال، وهو أيضًا يتكئ على القوة كركيزة وليس على الضعف". وتردف نقّارة: "إن من يرى بنفسه ضحية، فكيف به أن يصل إلى حالات الإبداع والحوار".


حين يكون الطريق هو الهدف


وفي سؤال حول ما أضافته تجربة "إذ قال يوسف"، ولو أنها لم تخرج إلى النور بعد، إلى تجربة نقّارة وحليحل على الصعيدين الفني والشخصي، أجابت سلوى: "أظن أنه من الضروري التطرق إلى هذه التجربة من محورها العام؛ إن المشروع لم يأت من فراغ، بل هو محصلة حاجة جماعية؛ بتقاطع حاجات فردية نذكر منها تجربة نزار زعبي، المخرج، إلى تجربة مسرحية جديدة ومغايرة. إن الأجواء التي يعمل فيها طاقم المسرحية هي أجواء رائعة لم نعتد عليها؛ أستطيع الآن أن ألمس المعنى الحقيقي للعمل "الجماعي"، حيث يشعر الفرد بأنه جزء عضوي وحيوي من العمل. وبالرغم من جميع الصعاب التي من الممكن أن نواجهها، إلا أننا نبحث في الأساس عن لغة وأسلوب فنيين تجعلنا نبني مسرحًا خاصًا فينا كفلسطينيين. وأنا هنا لا أقول أن "شبر حر" هي التي ستجد لنا الحل "السحري" لعدم وجود هذا المسرح، ولكنها على الأقل مجموعة تهدف إلى التجريب، والتجربة هي المحرك الأول لخلق هذه المساحة ولتوسيع دائرة الرؤى المسرحية، والتي لم نحققها بالرغم من مستوى الأعمال الذي قدّمناه ونقدّمه في المشهد المسرحي الفلسطيني الحالي. أتمنى أن يستمر هذا البحث والتجريب، فلدي ثقة بنزار زعبي وبطاقم العمل. ثم إن أوان الخوض بتجربة من هذا القبيل قد آن، آن لنا أن نبحث؛ "أين نحن من المسرح، وما شكل المسرح الذي يخصنا. إنها البداية، والاستمرار هو التحدي". ويقول عامر حليحل، أحد المؤسسين لمجموعة "شبر حر": "أنا لا أرى أن الحالة المسرحية بشكلها القائم تواجه مشكلة عدم توفير مساحة للجميع، لم تكن هنالك إشكالية في أن يجد الممثل مكانًا للعمل قط. ولكن المعضلة تكمن في انعدام مشروع يشكل بالنسبة للممثلين خطًا فنيًا ومهنيًا يرون فيه طريقًا وليس هدفًا مؤقتًا. من السهل علينا أن نرى في الأعمال المطروحة في الوقت الراهن مصدرًا ماديًا وربما فنيًا كافيًا، ولكننا نفتقر إلى التجربة والحراك في الاتجاهات المختلفة". ويضيف: "ما الذي يجعل ممثلين ناجحين كسلوى نقارة ويوسف أبو وردة، على سبيل المثال، والذين لا يعانون من عدم إيجاد أماكن عمل، ما الذي يجعلهما يخوضان هذه التجربة، والتي تتسم، بالمفهوم المادي، بالفقر، إنها الحاجة، الحاجة لهذا المتسع الخاص فينا والذي يميزنا عن سائر البشر. إننا لا نتطلع إلى إنجاح المسرحية كهدف، فالنجاح هو معنى مؤقت، بل نجد نجاحنا في استمرار المشروع، ونحن بالفعل نعمل على تخطيط مسارنا في السنوات القادمة".


تجدر الإشارة إلى أن طاقمًا مهنيًا كبيرًا يعمل الآن على إنتاج "إذ قال يوسف"، ونذكر مخرج المسرحية (وكاتبها) نزار أمير زعبي، الذي أخرج العديد من الأعمال التي عرضت محليًا وعالميًا ونالت اهتماما وجوائز تقديرية، منها: قصص تحت الاحتلال، جدارية، بين حربين، قصة خريف، إنسوا هيروسترات. دراماتورغ ديفيد لان المدير الفني لمسرح "يانغ فيك" في لندن، موسيقى المسرحية: الفنان حبيب شحادة، الديكور والملابس للمصمم البريطاني جون بوسير، الإضاءة: كولين غرينفيل، من مسرح "ينغ فيك". يدير الانتاج الفنان أشرف حنا، ويشرف على التسويق سامي زعبي. ويشارك في تمثيلها كل من: يوسف أبو وردة، سلوى نقارة، عامر حليحل، علي سليمان، طاهر نجيب، سماء واكيم وتيريز سليمان. يذكر أيضًا إلى أن المسرحية ستقدم ثمانية عشر عرضًا داخل البلاد، عدا عن العروض في اللغة الإنجليزية.

05 أغسطس, 2009

شرطة الأخلاق العربية وشجاعة لبنى


أحمد حسو


قبل حوالي خمسة عشر عاما تعرضت، في دمشق، لموقف مماثل لما تعرضت له الصحافية السودانية لبنى أحمد حسين. لكن علي أن أعترف بأني لم أكن أملك، يومها، شجاعة لبنى و"نمت على الموضوع" وكأن شيئا لم يحدث. كما أن القصة لم تتعلق بارتدائي لبنطلون أو سروال، كما هي الحال عند لبنى، إلا أن جوهر القصتين واحد وهو أن كلينا كان ضحية لشرطة الأخلاق العربية مع تعدد أسمائها. ولو أني أثرت الموضوع، حينها، لربما كنت قد تسببت في نقاش في سوريا حول هذه القوانين المهينة للإنسان كما هو حاصل، اليوم، في السودان، لكن لسبب ما لم أفعل. في الحقيقة لا أعرف تماما لماذا سكتت على الموضوع وأردت "لفلفته" بكل ما أوتيت من قوة؟ ربما لأني لم أكن أملك الأوراق الثبوتية التي تثبت شخصيتي، إذ كنت خارجا للتو من سجن عدرا السياسي، وكنت مازلت مطلوبا للأمن العسكري بتهم سياسية ولو اعتقلوني من جديد لكنت قد قضيت سنوات أخرى في سجن آخر؛ إنها قصة معقدة لمن لا يعرف هرمية الأجهزة الأمنية السورية وتداخل عملها. وتعود القصة إلى عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، وبعد خروجي من السجن بأيام، إذ كنت في حديقة عامة في دمشق (حديقة تشرين) مع صديقة سورية نجلس سوية على العشب وكان الوقت مساء، وكانت الحديقة لاتزال تعج بالرواد إذ كنا في فصل الصيف. تقدم مني شاب بثياب مدنية وسألني عن علاقتي بالصديقة التي تجلس معي: هل هي أختي أم زوجتي أم ماذا؟ وشدد على أن أعطيه الأوراق الشخصية ودفتر العائلة (قسيمة الزواج). وعلي أن اعترف اليوم بأني فوجئت بالسؤال، لا بل صعقت؛ ربما للأسباب التي ذكرتها وربما لأني كنت محروما من الحقوق المدنية ولم أكن أملك أوراقا شخصية في الأصل. انتابني فجأة شعور غريب بأني سأعود إلى السجن من جديد. ورحت أستعيد شريط التعذيب ومرارة الزنزانة، التي قضيت فيها أحد عشر شهرا ونصف بصحبة الظلام والجراذين. كما أصابني الخوف على الصديقة وعلى سمعتها فيما لو اعتقلتها الشرطة بتهمة أخلاقية. وهذا هو الفارق الآخر بيني وبين لبنى أحمد حسين التي لم تكترث لهذه "الخزعبلات"، بل مضت في شجاعة نادرة إلى الدفاع عن حقها حتى النهاية.لم أعرف ماذا أجيب ولذت بالصمت. تمالكت الصديقة نفسها، بعد أن كانت أيضا في طريقها للانهيار، وتمتمت ببضعة كلمات توحي بأننا لم نفعل شيئا معيبا وبأن عليه أن يتركنا في حالنا. فجأة هبط علي الوحي وأمسكت بذراعه، مع ابتسامة ذات مغزى، وأخذته جانبا وأعطيته كل ما أملك من نقود على أن يعتقنا، وهو ما حصل فعلا. وفي طريق العودة لم ننبت ببنت شفة (هي وأنا) وكأننا أقدمنا على شيء مشين. هي لم تقل لي شيئا وأنا أيضا، وبتواطئ ضمني، سكتنا على الموضوع طيلة هذه السنوات إلى أن قرأت ما حدث للبنى أحمد حسين، ضحية السروال أو البنطلون "الفاضح". لبنى اعتقلت بسبب سروال وأنا تعرضت لما يشبه الاعتقال بسبب جلوسي مع صديقة في حديقة عامة وأمام مرأى العشرات. وإذا كانت المادة، التي اعتقلت بموجبها لبنى، باتت معروفة وتحمل الرقم مائة واثنتين وخمسين من القانون الجنائي السوداني وتتناول "الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة"، فإن المادة التي كدت أعتقل بموجبها غير معروفة، حتى الآن، لكنها موجودة على كل حال.


* صحفي سوري مقيم في ألمانيا

16 يوليو, 2009

قصائد مختارة من الشعر الصيني


إعداد وترجمة منير مزيد



العشب


بي جيي


العشب يَنتشرُ عبر السهلِ

كُلّ سَنَة يَمُوتُ، ثمّ يَزدهرُ ثانيةً

يحترق بنيرانِ المرجِ

لكن لا يتحطم

حين تهب الرياح الربيعية

تعيده للحياة

رائحتَه تَغْزو الطريقَ القديم

يَجتاحُ أخضرُه الزمرّديُ البلدة المتهالكة

مرة أخرى

أَرى صديقَي النبيل يُغادرُ

أَجِدُ نفسي مزدحما بالكامل

بمشاعر الفراق



الربيع المتأخر


هان يو


كُلّ النباتاتَ تَعْرفُ

بأنّ الربيعِ سَيَعُودُ قريباً

كُلّ أنواع الأحمرِ والإرجوانيِ

في تنافس في الجمال

زهرة شجرةَ الحور وبذورَ الدردارِ

بلا جمال

فقط يَمْلأونَ السماءَ بالطيرانِ مثل الثلجِ



أسلّي نفسي


لي بي


بمُوَاجَهَة نبيذي لم ارَ الغسقَ

الأزهارُ السَاقِطةُ تمْلأُ طيّات ملابسِي

سكرانأ

أَرتفعُ وأَقتربُ مِنْ القمرِ في الجدولِ

الطيور بعيدة جدا

وقليل من البشر أيضًا

05 يونيو, 2009

محاولة للإمساك بزمن الكتابة: عن وفي.. "من وإلى"






دمشق- خالد الاختيار




على الرغم من أنّ "المقالات تعبّر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة من وإلى" غير أنه ليس بوسع المرء إلا أن يفتري على المطبوعة الجديدة بعكس ذلك، على اعتبار أن ما ضمّته بين دفتيها منذ عددها الأول وحتى اليوم يعبـّر عنها أيما تعبير.

وعندما يستبين المرء سريعا أن اقتراح النشر فلسطيني أيضا، فإن ذلك لابد له أن يحسم للتو مذاقا مختلفا للتوقعات لا يد للمجلة فيه ولا حيلة. وقد تريده وقد لا تسأل فيه.
بالطريقة نفسها ربما التي يصطاد العين فيها ويغويها منذ اللحظة الأولى الشكل والمقاس المختلف والرشيق لها.

ليس من باب االبهلوانيات اللغوية، ولا الجناس الطربي المبذول. "من" و"إلى"، أحرف الجر الهيـّنة التي يسهر على حركات ما يليها لغويو الإعدادية ومدققو إملاء الصحف قادرة كما لقنـّا مرارا على جرّ الجبال. ولا يبدو أن مهمة أحرف الجرّ تلك عنواناً لدوريـّة ثقافيـّة هذه المرة ستكون أسهل بحال من الأحوال.

"من وإلى" تفترض في ذهن مستطلعها جهات ما، أو أقطاب إرسال واستقبال تدور في بوصلتها الأشعار والقصص والمنثورات والرسوم، وسواها من مواد العدد.

وبالنظر إلى غياب الافتتاحيات الكلاسسيكة عن المجلة والتي عادة ما يكون من دأبها التوجيه وتيسير التأويل وابتكار السياق بحسب (سياسة) التحرير، فإن على القارئ هنا الالتحاق بفضاء تمهيدي بديل من قبيل:

"أعداؤنا يسمـّون البيانو (أفسنتير)
منذ متى وهذه الأفسنتيرات تضربُ في
يقظة الميّت النائم؟
منذ ُمتى تـُواصل شـُغلها من إذاعة (كول
هاموسيكا)- بينما طائراتهم تقصف
(الضاحية الجنوبية) وتـُغيرُ على بيت ٍ من
ثلاث غـُرف ٍ في مخيم جـَباليا؟"

إنما تحت اسم مقارب لـ"الافتتاحية"، وهو هنا "فتّاحة عدد". وإن كان يصلح كذلك برأي كثيرين كفتـّاحة مبدأية للفكرة، يسأل المرء من خلالها وبلؤم أحيانا، ماذا يريد نجوان درويش، المقدسي الشاب، شاعرا أو كاتبا ناشرا، من مجلته وقد بلغت روحها التاسعة؟

أصوات عربية جديدة، كإجابة أولى صارمة، مطوبة منذ الغلاف، قالت إحدى الصديقات مستغربة تجشّم عناء السؤال حتى. ومستشهدة بالجهد التنقيبي الذي قاد المحرر "من" القدس المحتلة "إلى" عربستان فارس. آخذا بتلابيب أحوازيين جدد إلا عن عروبتـ(ـهم) ، من الذين تتخلى عنهم اليوم دون جلبة تذكر أنظمة طوّبت نفسها لعقود حامية حمى هاتيك العروبة.

والصورة في "من وإلى" ليست -تشكيلا أو فوتوغرافا- متاعا طارئا على النص، بل تكاد تأخذ موضعها هناك في تتام وتناغم مع المكتوب الحروفي، كأنه لها وكأنها له.

من منزل دمشقي سرعان ما ينسى المرء اصطناعيـّة ندف القطن على سلّمه لتستحيل للتو عتبات لسحاب (زياد حلبي)، إلى غرف غزاويـّة في نسخها الأحدث 2008-2009 بعد القصف، والعربدة الإسرائيلية الأخيرة، وسطح منزل بصحن لاقط (مجعلك) كمظلة كسحتها ريح داهمة، وحمـّام على الشمع (محمد مسلم).

نجاح عوض الله، حزيمة بشير، أميمة عبد الشافي، حمزة كوتي، فارس البحرة، مصطفى مصطفى، عناية جابر، حمدي زيدان، عبد الوهاب عزاوي، بهيج وردة، سحر مندور، شادي الزقزوق، حازم حرب، هاني زعرب، بهمان غوبادي، آلاء يونس، نسرين بخاري، صلاح أبو الدو، أحمد فارس، عثمان فكراوي.

هنّ وهم بعض شركاء العدد الأخير للمجلة، منثورون بغير تساوٍ على أبواب لها إشارات ودلالات.. "سرد متقطع، قاع المدينة، تجارب، قصيدة، قصة، بما إنو، بورتريه، أصوات الجوار، ملامح، فصول، رفوف".
ومن يعرف بعض أولئك الكتاب والتشكيليين يستدل بيسر على أنّ "من وإلى" لا تنتحل –أقلـّه حتى الآن- أمام قرائها أي غيتو شبابي تبسيطي وفق تعريفات سِنيّ الوجود الفيزيائي للشخص.

رغم أن بعض المشاريع الاستشرافية فيها تأتي (آلاء يونس) إنقاذاً للماضي من تأريخيته المزمنة بصيغة "نفرتيتي" ماكنة خياطة فرعونية شغّلت وشغلت أرامل وأيامى الحروب المصريات إبان 1952.

أو كشفية فوتوغرافيا أخرى (محمد حرب) لطفل كان عليه أن يمشي على الماء قبل أن يصل إلى شربة تروي ظمأه. كما يهيئ للناظر.

على أنه يبدو أن "من وإلى" لا تلقي بالاً لمعاناة جدّاتها العربيات، أو حتى الغربيات الأكثر "إفصاحا" عن بلواهن. مثل كريستيان ساينس مونيتورchristian science monitor، ونيويورك تايمزNew York Times ، وشيكاغو تريبيون chicago tribune، وغيرها من مشيـّدات النشر و"العقارات" الصحافية المطبوعة الآيلة سراعا للانترنت، والإفلاس.

فللمجلة موقع افتراضي على الشبكة الدولية لاتخشى من بث مطبوعها عليه دون كلفة إضافية، ولا تضن بشيء مما "يحبـّر" فيها على متصفحها الالكتروني الذي لا يتحمل أي أعباء مالية على الإطلاق. كيف لا، ومطبوعتها توزع بلا مقابل مادي أصلاً، وتخلو تقريباً من الإعلان والترويج التجاري.

ولعل هذا الأمر دون غيره أثار لدى بعض الدمشقيين بالذات حكة خفيفة في الذقن، خاصة وأن دمشق لم تلبث طويلا خارجة من "تأميمات" الثقافة و"مجانية" التثاقف. إن في العام الماضي كعاصمة ثقافية، أو فيما غبر وعبر من "اشتراكية" الفكر ماضيا!.

سؤال المنشورات الجديدة حولنا وبلغتنا لم يعد أقل خطراً اليوم من سؤال الكتابة الجديدة والكتـّاب الجدد، ثالوث يشد بعضه بعضا، أو يرخيه. ودائما نخب قارئ أكثر جدّة، ففاعل مجدد.
ولالتقاط هذا الأخير بالضبط لا مندوحة من انتظار الغد. على أن الغد "أقرب بكثير مما نظن" (نادين باخص).



___________________________
* الهوامش والاقتباسات والإحالات من مجلة "من وإلى"، العدد التاسع، نيسان– أبريل 2009، منشورات جيل للنشر، رام الله، فلسطين.

Godo.checkpoint@gmail.com

30 مايو, 2009

جثة في رام الله



رام الله جافة وأنا سمكة
عليّ أن أحوّل غرفتي إلى رحمٍ..

***

من أنا الآن؟
صوتي الأحمق القديم يتحوّل إلى امرأة؟

***

لو كنتُ رجلا!

ما أجمل أن أبوّل واقفةً على عاطفتي
قبل أن أنام.

***

لا ريح هنا كي تحرّك وجهي فأبتسم
إنها الشمس تحرق شفتاي..

***

بايرويت
وشبح فاغنر
أرحم من رام الله
وشبحي..

***

أعضائي تموت!

29 نيسان 2009، رام الله

18 مايو, 2009

عندما يكون الخيار حشوة الكوسا




هل تخيلت أن تستيقظ في أحد الصباحات، فاقدًا عملك وبيتك؟ لا شك بأنك ستُجنّ أو على الأقل سوف تدر على ربك وحياتك وابلا من السباب والشتائم المبدعة. حسن، إني لا أختلف كثيرًا عنك. ولكنّ الفرق هو أنّ خيالك سيستمر لثوان أو دقائق فقط؛ بعدها تتحسس مكتبك أو سريرك وتشكر ربك (في السماء أو في العمل) أو حظك أو أي شيء، أما أنا فها هو "واقعي" يستمر أيامًا وأسابيع. وقت كاف لأن تتحول أشياء كثيرة كالساعة البيولوجية والنفسية، وتيرة التفكير، أشغال وقت الفراغ (وليس القصد أن هنالك ساعات عمل لا قدّر الله)، ساعات الفراغ أي الساعات التي يُقضى أو تقضي فيها على رغبتك في صنع أي شيء، فلنسميها ساعات سد الأنفاس. هذه تغيرات حتمية، أما تلك- ممكنة الظهور على المدى البعيد- هي أن أتغير كلي؛ إما أن أطوّر ما أسميتها فلسفة التفريغ أو النقر (المصطلح الشوارعي للتفريغ) أو أن أصبح النموذج الأول لنشوء طبقة برجوازية متعفّنة في دبورية.
ما يخص فلسفة التفريغ هو ببساطة أن تكون كوساية/ باذنجانة/ قرعة أو أي شيء يفرّغ من محتواه، ويعبأ بمادة جديدة. أن تكون عمّالا بطالا تمامًا مثلي، ذلك وحده كفيل بتفريغك أيها الكوساية المكدّسة من همّ العمل: وينتا بدي أعرف أسهرلي سهرة مرتبة/ كس أخت الشغل عرص/ أي وينتا بدنا نقبض/ يلعن اللي اخترع الجمعيات بإجري والخ.. كما تفرّغ أيضًا من همّ البيت والأجرة وبهدلة المينوس والأرنونا. ما تبقّى هو همّ أنك في هذا الوضع المزري والمثير للشفقة! حسن، في اليوم الأول متوقع هطول بعض الدموع. في اليوم الثاني مسبات متفرقة في منطقة الأهل وفش الغل في وجوههم. في اليوم الثالث أجواء مستقرة مصحوبة ببعض العتاب وتأنيب الحظ والرب. في اليوم الرابع، عبثًا إيجاد حالة أفضل! تستقر النفسية المهدهدة وتبدأ بالنقر وتقرر أو لا تقرر، تصبح كوساية. إذن، تفرّغ أيضًا من الشعور المقيت تجاه هذا الفقد الجارف؛ فقد الرزق والسقف. جميل، أنت الآن ورقة بيضاء كطفل، أو كوساية منقورة جاهزة ومستعدة للحشو! ولكن لا يغرنّك الفراغ، لا تعتقد بأنك الحاشي. أبدًا. أنت تمتلئ دون سابق تخطيط، ولكن بمَ؟ ما يملؤك هو ما يتوفر في محيطك، أي لا تعتقد بأنك ستبحث مثل المتوحش عن عمل، ستفقد أصلا الشعور بغيابه. أو عن بيت، (في حال كنت في بيت ذويك، النظيف والمرتب والمليء بالطعام). والنقر هنا هو الخطوة الأكثر واقعية باتجاه تغيير ما تطمح إلى تغييره في حياتك. أنت في هذه الحالة مفعول به محشو، ولكنك في ذات الوقت تستطيع اختراق الفاعل الحاشي. إن ما يحصل في حياتنا السريعة والمكدّسة والمضرّجة بكل شيء نريده أو لا نريده لن تنته بنا إلى شيء.. تخيل نفسك كوساية، تستطيع حشوها بما تريد! ما أجملك. ما أجمل الكوسا المحشو برغباتنا وشهواتنا وطموحنا ومبتغانا.. في مقابل تطوير فلسفة النقر، أصبحتُ محشوّةً بما لا أريده، آلهة النقر لعنت أصلي. وهاكم حشوتي أنا- لا يحشيها الله ولا الحظ لأحد: أستفيق على مهلٍ وبتباطؤ غير مبرر، وكأني منهكة من عمل المساء. أتناول فطورًا أقسم بأن أحدكم لم يفكر أصلا بتناوله: حبوب الصباح (الكورنفلكس) الطبيعي، خبز من القمح الكامل مع الجبن، بيضة مسلوقة، عصير طبيعي وقهوة بالحليب. أقفز إلى حاسوبي (وأتنقل قفزًا لا مشيًا على اعتباره يسحب مني بعض السعرات الحرارية). أقرأ بعض الصحف والأخبار. ومن فرط ما أملك وقتًا أحار بكل شيء؛ أي موسيقى سأسمع، فلا أسمع أيًا منها، أي مقال هو الأهم، فلا أقرأ أيًا منها، تبقى صفحاتها مفتوحة حتى آخر الليل. أمارس بعض التمارين الرياضية على عجل. أقفز إلى مكتبتي، أحدق في الكتب التي لم انته منها بعد، وهي في معظمها دواوين شعرية لا تقرأ مرة واحدة، وأحار أي منها أقرأ.. أقفز إلى الشرفة مع جميعها، أتفحصها، أحار، أقرأ قصيدتين وأتململ. أقفز إلى غرفتي أتفحص بريدي والفيسبوك، أعلق على ستاتوس هنا وآخر هناك، أشعر بالضيق، ويؤنبني ضميري لإضاعة الوقت. أقفز إلى التلفاز، وأقع على برنامج كالأطباء (هل شاهدتموه، إنه مفيد ومسل)، أشاهد نصف نشرة أخبار على الجزيرة، أحار على أي منها أستقر، أغضب، وأغلق التلفاز. أقفز إلى غرفتي، إلى الكتاب، إلى السرير، أستلقي، أضع شريحتين من الخيار على عينيّ وأستمع إلى باخ، إلى المطبخ أسرق قطعة من الشوكولاتة، إلى الانترنت، إلى قصيدة قديمة لا أنجح في إنجازها، إلى الكتاب ثانية، إلى مسلسل تركي، إلى أحاديث أبي المكرّرة عن الخمسينيات والستينيات وأبيات الشعر القديم المكرّر، يدور دماغي منه..
أظلّ أتقافز أمامي، أشياء تحشيني، وأشياء أُحشى بها، أكاد أتفزّر وأتمزّق من لا شيء، من الفوضى، ومن الإفراط في النقر.. إنّ حشوتي مرّة وغير متماسكة، إني آثر الفراغ، آثر الفراغ..

06 مايو, 2009

مانيفستو أيّار 2009






نجوان درويش

بمناسبة الأول من أيّار نعلن الآتي:

أولاً: الأول من أيّار ولادة جديدة ونحن المواليد الأكثر حداثة اليوم.
ثانياً: نحن حلفاء إستراتيجيون لنسيم الصباح.
ثالثاً: صناعة المستقبل ليست خياراً وليست واجباً وأيضاً ليست صيرورة، "صناعة المستقبل" دجل إيديولوجي أياً كانت مصادره.
رابعاً: نرفض تحويل الواقع إلى حِمار مُمَكْيَج (وهذا لا يُنقِص من احترامنا للحمار كشقيق طبيعي للإنسان).
خامساً: نرفض فكرة الشفقة جملة ومضموناً لأنّ حربنا أبعد من العاطفة والتضامن.
سادساً: الانتهازية جريمة العصر ولن نتهاون بعد اليوم مع حملة مباخر ودفوف "الحمار المُمَكْيَج".
سابعاً: كل ما نقوم به هو في سبيل خير الفَعَلة- الأصحاب الشرعيين لكوكب الأرض.
ثامناً: حربنا لن تتوقف بعد زوال الاحتلال وكل أَشكال الاغتصاب الكولنيالي لمقدّرات الشعوب.
تاسعاً: الحبّ شرط لتنفّس كوكب الأرض، والحرية تبدأ بإطلاق الحواس.
عاشراً: سواء أًنذَرنا أم لم نُنذِر فلا عُذر للمتواطئين في شتى مواقعهم.

عاش الأول من أَيار.. وكُرمى لعينيه تُكرم بقية الشهور

التوقيع:
محفل الأول من أيار
القدس في 1 أيار 2009