31‏/10‏/2010

بيان لجنة تحكيم مسابقة مؤسسة عبد المحسن القطان للكاتب الشاب في حقل الشعر



في حقل الشعر، ذكرت لجنة تحكيم المسابقة التي ضمت في عضويتها كلاً من الناقد والشاعر د. خالد الجبر (الأردن)، والشاعر والمترجم فادي جودة (فلسطين/الولايات المتحدة الأمريكية)، والناقد د. لطيف زيتوني (مصر)، والشاعر د. مريد البرغوثي (فلسطين/مصر) في بيانها الختامي الذي تلاه الفنان أميل عشراوي أنها تلقت إحدى وعشرين مخطوطة شعرية قدمها كتاب فلسطينيون شباب تتراوح أعمارهم بين 22 و30 عاماً، من مختلف أنحاء فلسطين، الأمر الذي يمثّل إقبالاً لا بأس به على كتابة الشّعر لدى الجيل الشّابّ في فلسطين.

وذكر البيان أنه "في الوقت الذي تود فيه اللجنة الإشادة بما بذله المشاركون من جهد في إنجاز نصوصهم التي تقدموا بها إلى هذه المسابقة، فإنها تود الإشارة إلى أنها تعاملت مع كل النصوص من موقع المتقبّل تماماً لكل صيغ كتابة القصيدة العربية. وكانت فنّية العمل، بِغَضِّ النَّظَرِ عن مصدر موسيقاه، هي الأساس. كما أن اللجنة لم تتساهل في تقويم النصوص انطلاقاً من كونها للشباب، بل شملت تقارير أعضاء اللجنة تعقيبات صارمة لا تخلو من قسوة على مستويات عدة".

وأضاف البيان: في هذا السياق، تود اللجنة تقديم الملاحظات التالية: شاب الكثير من المخطوطات جهل بقواعد اللغة العربية، وبتراكيب الجملة العربية، إضافة إلى أخطاء طباعيّة ولغويّة وإملائيّة، وعليه توصي اللجنة الكتاب المشاركين بعرض أعمالهم على مدققين لغويين قبل التقدم بها إلى المسابقة؛ يتفاوت المشاركون في مسابقة الشعر في الموهبة، والمقدرة على التعبير، والطاقة على التخيل، والسلاسة في الأسلوب، والرهافة في تذوق الصورة قبل تبنيها في النص. فجاءت بعض المخطوطات شديدة الضعف، وتخلط ما بين فن الشعر والخواطر، بعيداً عن الشاعرية، أما الأغلب فمن المستوى المتوسط. لكن هناك عدداً من المجموعات الواعدة، التي تحمل نفساً شعرياً مؤكداً، ويملك أصحابها الموهبة والمقدرة على التعبير عنها؛ تنوعت نصوص المجموعاتِ الشّعريّة المشاركة بين فنون الشّعر كلّها: قصيدة الشّطرين؛ قصيدة التفعيلة؛ قصيدة النّثر. وهذا التنوُّع في الفنون الشّعريّة، وإقبال الشّباب على الكتابة فيها، كلّها أيضاً، مؤشّران إيجابيّان على أنّ السّاحة الثقافية الفلسطينيّة ساحةٌ واعية، وهي ديمقراطيّة (بمفهوم من المفاهيم)، ولا تجسِّدُ تيّاراً واحداً، ولا تُلغي أو تقصي أو تهمّش، من شاءَ فليكتُب، وليكتُب ما يشاء؛ تمثل نصوص بعض المجموعات الشّعرية المشاركة النّقيضَين في الفكر: بعضُها يمثّل التّيّار التقليديّ، وبعضها الآخر يمثّل التيّار الحداثيّ، وهذا ظاهرٌ من بعض النّصوص التقليديّة الوعظيّة المنظومة نظماً، ومن نصوص أخرى تمارسُ الكتابةَ المضادَّة؛ وهذه ظاهرةٌ أخرى إيجابيّة تُحسبُ للسّاحة الثقافية والأدبية والفكرية الفلسطينيّة.

جائزة الشعر لـ أسماء عزايزةوأعلن البيان أن جائزة الكاتب الشاب في حقل الشعر لهذا العام، تذهب إلى المجموعة الشعرية "ليوا" لأسماء عزايزة (دبورية/ الناصرة)، مع توصية بالنشر، وذلك لأنها مخطوطة مبدعة تنمُّ عن موهبة يمكن أن تتضح أكثر وأكثر في كتابات قادمة، وتقدم صوتاً أنثوياً فيه فرادة في شعرنا العربي والفلسطيني، بعيداً عن فحولة القصيدة وذكوريتها، هذا الانفتاح والتعاطي مع التراث الأدبي العالمي، واختلاط الأنا بحبيبها وعدوها في آن، وهذا الخيال اللغوي والعمق النفسي الذي يحول المثل الشعبي إلى فلسفة وحكمة أبدية، حيث تلامس قصائدها القصيرة، الغموض أحياناً، لكنها لا تنغلق على الفهم في صور غنية جداً، ولغة شديدة العصرية متماسكة وسليمة. إنّ قصائدَ هذه المخطوطة مُتقَنةُ اللغة والإيقاع الدّاخليّ والصّورة، فهي موجزة وكثيفة وتعتني بالتفاصيل الصّغيرة.

وأشادت لجنة التحكيم بقوة مع التوصية بنشر مخطوطة أقل مجازاً لـ داليا طه (رام الله)، وذلك لأنها "بين المجاز وبين انكسار المجاز" تقف هذه الشاعرة الرقيقة وتطلق سراح المنطق والعقلاني بهدوء في سماء الحس، وأحياناً تصيب الشطح والشتات الشعري الرائع. وهذه المخطوطة التي هي تكريم وإهداء لمحمود درويش بصورة بلاغية إبداعية حقيقة، لا تعاني من التقليد، بل لها صوتها الخاص وكيانها الثابت، وتنبئ عن حضور أنثوي مهم، يعلمنا ما ينقص آذاننا من استماع، وكاتبتها تتمتّع بتجربة جيّدة ظاهرة في تشكيل قصيدتِها: لُغةً وإيقاعاً وصُورةً، وهي إلى ذلكَ كلّه تتميّز بمتانة اللغة وجمال التّراكيب. ولو أنّ الكاتبة خلّت قصائدَها من بعض الهناتِ في اللغة، ولو أنّها جعلت نصوصَها أكثرَ كثافةً، لكانت هذه المخطوطة ممّا يُنظرُ إليه بعينٍ أُخرى".

ونوهت بالمخطوطة الشعرية حجاب لـ أنس أبو رحمة (بلعين/رام الله)، وبالمخطوطة الشعرية خربشات على جدار الذكريات لـ علي أبو عرّة (رام الله).



11‏/10‏/2010

صوتُ النِنْييرا


هذا الصوتُ الحادُّ كشفرةٍ

القادم من النِنْييرا[1]

من مرَّره على آذاننا؟


العم يِرجي[2]

يجلس على قارعةِ طريقٍ

في براغ.

هو لا يعلم أنه صانع شفراتٍ أيضًا

وأنه يراكم لحمًا بشريًا جديدًا

فوق أجساد الشيوعيين.


السيّاح المبتسمون

يلتقطون الصور للعم يِرجي

ويمضون إلى المتاحف

بينما تتقطَّعُ آذانهم

وتسقط في حضنه.



[1] الننييرا- Ninera- آلة موسيقية وترية غربية، صوتها قريب من صوت الكمان.

[2] عازف ننييرا في شوارع براغ القديمة.

9‏/8‏/2010

قبل دقيقتين مات محمود درويش


هل قلتم الذكرى الثانية لرحيله؟ الذكرى- التذكّر، تذكّر ماض! إذن، لِمَ يمشي هذا الشاعر في حاضرنا؟ رحيله- غيابه، فقده! إذن، لم يصدح صوته في آذاننا وتقتحمنا قصائده إلى الآن؟
أمامكم نص سجين، لم أشأ/ أستطع أن أكتب عن "رحيله" خلال هذين العامين، كان مشهد نواح وبكاء المثقفين مرتفع النبرة كافيًا لردعي عن ذلك. نص حبيس، وُلد لحظتئذٍ ولكنه يُكتب الآن، وكأن درويش مات قبل دقيقتين، أو أقل:
هناك في الجنوب الألماني، في مدينة ريتشارد فاغنر، "بايرويت"، الصغيرة الصامتة؛ حيث لا جنازة، لا تشييع، لا أفواه مفتوحة، لا أحداق مشرّعة على الملح والماء، لا هواتف سريعة من الأصدقاء، لا شاشات بأخبار عاجلة، ولا حتى انترنت لتتبع الأخبار والصور وفيديوهات الرثاء الحمقاء التي انهدلت على صفحات الشبكة.
وحدي، أعيد قراءة ملحمة جلجامش، في غرفة أرضية داكنة ملمومة تُفضي إلى ميدان مرصوف وبعض شجرات الظل العجوزة منحنية الظهور. بعد أن غادر الأصدقاء إلى نزهتهم، رُميت في هذه الغرفة الصامتة وبايرويت الصامتة والخبر الصامت وموته الصامت.
اشتد المساء واشتد معه هذا الصمت المدوي والممتد بلا نهاية أو حافة، حافة أصطدم بها لأدرك أن ذاك كان مجرد شائعة، أو أنني على سريري في حيفا أحلم بأن درويش مات في بايرويت ودُفن إلى جانب فاغنر في حديقته الواسعة والأنيقة. الصمت يزحف من شقوق النافذة، وطُرق جلجامش البحرية تتلوّى في رأسي، بينما يعرج إليها صوت درويش، المسرحي تارةً؛ وهو ينشد أمامي قصيدته الأخيرة في قصر رام الله، والشخصي تارةً، ذاك الخفيض المطوي بعناية وذوق شاعر، وهو يتحدث عن لقاء مرتقب مع حيفا في مكتبه في "السكاكيني"، أو عن عاطفة قرّائه في شرفة تطل على البحر بعد أمسيته الشعرية في تموز 2007. لحظات عُجِنت فيها يقظة "جاهلة" لا تعرف من أين نتأ هذا "الخبر"؟ إليّ، وأنا لم يصلني في هذه المدينة النائية أيّ شيء يمهّد لهذا الرحيل، بنعاس يسحبني إلى أسفل، يحاول بنشاط إقناعي بالنوم وبأن نور اليوم التالي هو الذي سيصدِّق الخبر أو يكذِّبه! هي ذاتها اللحظات التي عُجن فيها جسد جلجامش الفضوليّ اللاهث وراء الخلود، بصوت درويش الذاهب نحوه، أيضًا.
أنسحب من هذه العجينة إلى الخارج، إلى الميدان المرصوف.. بايرويت مرةً أخرى، حيث لا جنازة، لا قبر، لا أخبار عاجلة، لا "بكّائين" ولا "نوّاحين" على تابوته. لا شيء من هذا النَدب العلني سوى بكاء بايرويت الصامت على قبر فاغنر وعلى حفرة فارغة، إلى جانبه.
جلجامش، في طريق العودة، شاهد السور العظيم الذي بناه حول "أورك"، وأدرك أن هذا الذي سيخلّد اسمه. ودرويش، خرج من بايرويت، إلى فلسطين، هناك، وفي كل الجهات والطرق المؤدية إليها، أيضًا، سور شاهق شيّدته القصيدة.


نُشر في ملحق أعد في "ذكرى رحيله الثانية" في صحيفة القدس العربي.

28‏/7‏/2010

أصوات شعرية من فلسطين (مقدمة الجزء الأول)



نصر جميل شعث

هذه مقدمة الجزء الأول من ملف أعدّه عن أصوات شعرية من فلسطين، والمفترض أن ينشر في عدد قادم من أعداد مجلة "نثر" العراقية السورية.

يتألّف هذا الجزء من البرنامج الوجداني من عشرة أصوات شعرية فلسطينية تنتمي إلى تربة الأرض المحفوظة كاملةً في التمني؛ لئلا تعلو تربة على تربة في الوطن المسروق، وإن كانت تفاحة "غزّة" بارزة في حنجرة آدم.

واختياري لهذه الأسماء لم يكن وليد مصادفة، مع ذلك هو لا يأتي من جهة تفضيلٍ ضيّق أبخلُ به على أصوات كثيرة تقع في فم المشهد الشعري الجديد، ولا تتواني عن تفعيل اقتراحاتها بخطوين داخل الذات وبخطوة ثالثة تعيد الذات إلى الوسط.

فعلى رغم أنه لم يكن، منذ القدم، ثمة ما يبشّر بنبأ المصالحة أو التوازن بين الداخل والخارج؛ يظلّ هنا قول حيّ أنّ وساطة الشعر كبيرة وعميقة لدرجة أنها تستوعب كلّ متناقضات الأنا والآخر، الوطن والمنفى، النهر والصحراء.. حيث الشعر هبة ميتافيزيقية و القضية إما أنها تميمةٌ أو حظّ عاشق تتخطفه الخسارة.

ومن هنا، يجوز لي أن أعترف بتلصّصي على الحبّ بأولوياته السابقة والأولى في الأصوات، ولكن بواسع معانيه في هذا القصائد المختارة. كذلك قراءتي تيمة الخصومة مع صورة الأنا بوصفها بيت الحبيب، وانعكاس الأنا الموازي وساحة الآخر. فها هي الشاعرة كوثر أبو هاني في قصيدة لها بعنوان "حالات مؤقتة لابدّ منها" تقول:

"أحيانًا أكرهني حتّى أحنّ إليّ وأتصالح مع الحبّ..." .

وعند الشاعرة أسماء عزايزة نرى تعرّض الصورة إلى عقابٍ، بنبرة "قلب ساخط" لا تني تولّد الحُلُمَ من الخراب، في لحظة منفعلة داخل مدار الحبّ في وجه من وجوه معانيه، ربما هو الوجع الذي يتحوّل نبرةً حادّة، مثلاً، لدى الشاعرة عزايزة في قصيدتها هذه المسماة "لا أحد، وصورتك":

لا أحد سيلتفت إليك إن صرختَ
بأعلى صوتك: "مرحى بالفصول المنتهية
مرحى بي أنا المتجدّد وأنا أضربُ رأس الماضي وأغمّيه".
أو حتى إن قلت: "سأتنازل عن دور البطل حتى لا تلتهمني النهاية،
وإن أجبرتُ على التفرج، سأقتل الراوي"!


إذًا، ثمّة إيقاع كبير في تدرجه وتنوعه؛ مشبعٌ بالحبّ وبالخصومة الواضحة في نصوص الشاعرات أكثر من الشعراء والذاهبة في تعرية وإيلام الأنا الموازي لدورة الأمل في الداخل والخارج معًا؛ الأمل في ولادة البطل ( الأنا) الخاصّ والوطني. ففي إبدال الشاهد السابق "الأنا" بـ "الآخر" المخاطب كغائب؛ نرى عَزْلاً لبهاء الصورة التي ترنّ في المجموع، حيث يقرّر المقطع السابق عقوبة لصاحب الصورة بإهمال صدى نرجسيته؛ وذلك إدراكًا لغاية التطهّر بإيقاع يسيل على ظلال حدائق كانت هناك.

وإذًا، تقدّم هذه المحاولة دعوة جديدة من أجل القراءة والإصغاء إلى إيقاعات الكتابات الشعرية الطازجة لدى شاعرات وشعراء كثيرًا ما أقارب قراءتي لهن ولهم بمخيلة شعرية أصوّرها بوضع إصبع الشاهد على اسم الوطن وإخفائه بظلّ التصويبة، لا إخفائه بالإصبع الذي هو من لحم ودم فائضين كإشارات في دورة الأسى التي تشحن ساعة الأمل برمل الصحراء في المقاربة الفلسطينية والعراقية التي تفضي بنا إلى هذه المفارقة المقوّاة بالجدل والفاعلة في مدار الخصومة البارزة عند الشاعرة أسماء عزايزة بين عنوان قصيدة (سيل) و (صحراء) المتن التي انتهت، مجازًا، لأنها أفرغت في الرأس، التي امتلأت بها حقيقةً، بفعل جرّ القصّاصين أكياس الرمال من الأفق إلى الرأس:

انتهت الصحراء؛
القصّاصون جرّوا أكياس الرمال وأفرغوها في رأسي.
أرشدوا الريح إليّ كي يلقّح الصبارُ أصابعي.
انتهت الصحراء وسالت...


وعند بشير شلش هذا وصفٌ آخر للعبء في "الأرض المؤقتة":

رأينا قمرَ الحصادِ مَسروقًا في متاعِ البدو الذينَ قايضوا السماءَ بالخيامِ
والصحراءَ بردهات الاسمنت وحملوا أيامهم بأكياسِ النومِ .


وأيضًا، سنقرأ في أثر الشاعر خالد جمعة شيئًا من مدار أو دِوار العشق داخل دورة الأرض في قصيدة "كيف تحتملُ روحكِ كلَّ هذا الجمال؟"، غير المنفصل عن دورة الأسى و ما تنتجه هذه الدورة من خربطة محتومة في أرض (مكان) و مواعيد (زمان) العاشق الذي يربط أحوال المرأة بالأرض من دون استخدام أي من أدوات التعاقب والترتيب. ففي الشاهد التالي تغيب "الفـــاء" التي تفيد الجمع مع سرعة الترتيب، ترتيب السبب والنتيجة:

تبكين
تخربِطُ الأرضُ دورَتَها، وتنسى الفصولُ مواعيدَها، الأشجارُ تفقدُ عصافيرَ ذاكِرَتِها، فيما الغيمُ يلملمُ قُطْنَهُ في علبةِ الريح، ويقفُ دمعكِ بين السماءِ والأمنيات.


ويختلف الأمر، في صورة ما، عند الشاعرة فاتنة الغُـرّه، في قصيدتها الطويلة "رقّ النوم" التي تصدر عن مخالطة فريدة بين الرؤيا وشبق اللحظة الجارفة، ولكن المنطوية في الوقت ذاته على تكوين رائع تعتريه نبرة تهّجد محفوفة بلذاذة تفعيل الأشياء في مدار كتابة تفتح باب العلاقة لتزاوج الرؤيا، بما هي حلُم بطيء العمل، مع نشوة التدفق من اللحظة الأولى، حيث دهشة الاصطدام بشيء سائل:

كانت الأرضُ تتمّ دورتها الأولى حينَ اصطَدَمَتْ ببركَةٍ راكِدَةٍ فانتفَضَ منها كتابُ النَّومِ، وكانَ أن جاءَ فيه..
فيما يَرى النَّائِمُ:
كانَت الوردَةُ تحبو باتجاه السَّماءِ رافِعةً تيجانها له تخْلع أرديتها واحِدًا تلو الآخر. تتلو صلاتَها للربيعِ. تسْتحمُّ بوهجِ اللحظَةِ الأولى.. وكانَ الشجَرُ حولها يسجد..
وكانَ ذلكَ شيئًا عظيما
(..............)
فيما يرى النائِمُ:
كَانَ الحلمُ يطفو على الملاءَةِ شلالَ حليْبٍ طَازجٍ بِرائِحَةٍ طَازجَةٍ ووَقتٍ طازجٍ تنبُتُ مِنْ خِلالِهِ أعْشَاشٌ مألوفَةٌ.. وكانت النتيجَةُ.. زهْرةً بيضَاءَ فَقَطْ.
وَكانَ ذلِكَ شيئًا عظيما.


وهكذا يكمن ويكبر السرّ تحت ظلال الإشارات، داخل دورة الشعر المضاء بروح كليّة لِـطيفها انعكاس على شفافيةٍ فضاحةٍ تحفظ، بدورها، الأثر؛ لأنها طبقة مالحة بين الوطن وظلّ الشاهد الذي يقدم شهادة غير مجروحة بإصبع مجروحة! الوطن الذي لم يخسره الشعراء ليربحوا الشعرَ؛ بل هم خسروا كرامة الوطن المأمول جدلاً في استعادتها، ونجدها، الآن، في شعر أبنائه!(أسماء عزايزة من حيفا - بشير شلش من عرّابة، قضاء الجليل- خالد جمعة من غزة - رائد وحش من فلسطيني دمشق - رجاء غانم من الرملة، دالية طه من رام الله - فاتنة الغرة من غزة - كوثر أبو هاني من غزة - ناصر رباح من غزة - ووليد الشيخ من رام الله)

على أنّ ما سيكرر ملامسته القارئ في أصوات الشاعرات والشعراء، هنا، هو تنوّع عمل القصائد، دائمًا، على جماليات فكّ ارتباط الشعر بالحنجرة وبالبهاء الذي ورّط وجوها وذوات داخل أصياف وصحارى جاء خروج جيل لاحق منها بوعي ومسؤولية إلى عبارة تفتح بلاغة الألم على إمكانيات فنّية تدشّن وتراكم غيابَ الصوت والضوء الباهظ، تراكم الغيابَ في حضور المجاز المتحالف مع أشياء في تجربة المكان وتجربة العيش لدى ذوات تعمقت أكثر في لحظاتها التي تستوعب جدلَ الحياة وتخلق رؤاها أبعد من سطح السؤال المباشر! حيث الشعر والوطن كانا وسيظلان يشكلان خطورتين على الشاعر/ة العاشقـ/ـة:

خطورة شرذمة القضية و تصفية اللازورد من فحواها، في عالم يُسرّب خياناته إلى الإنسانية في خطابات ذات واقعية سياسية تزوّق المشهد بكلام آسفٍ، وفي الوقت ذاته تعطّل منطق الحقائق؛ لتفعيل فروض براغماتية في سبيل تأكيدها كقياسات للتعامل مع وقائع جديدة، أي لا تقليدية: كالحرب التي تتقدّمُ السلامَ ولا تصنعه مثلما كانت ترعى ذلك في أدبيات القوة، إذا جاز لنا ذلك.

داخل هذا الفرن الجديد كانت تنتابُ الأشياءَ خطورةٌ ثانية استغلت مراحل لاهبة في مسلسل الوطن؛ استغلته كغطاء لإعدام أشياء طازجة هي كيانات أنطولوجية(الحجر يرمى نفسه هنا مثلاً)؛ إعدامها بذريعة التزام آدم وإلزامه بالصراخ حتى يرى الآخرون رقصة التفاحة. مع وجوب التذكير هنا، أن عدم وجود تفاحة في كل حنجرة بشرية راجع إلى تقدير ميتافيزيقي ما، لا ينفي عن كلّ المحرومين حقيقة أنهم يرقصون ألمًا في حدائق مسروقة أو مهجورة داهما نسيانُ مواعيد العشّاق، وداهما الخلط بين الشجر والبزات العسكرية، وجلس على مقاعدها الحجرية الغياب. وهكذا كادت الخطورة أن تهدّد الشعر بالموت في زمن الخطيئة، لولا قدرة سلَفت تمثلت في إفلات رموز الشعر الفلسطيني الكبيرة بصورة أو بأخرى؛ قدرة كان لها أن تتقوّى في تجارب لم تقرأها الرموز، ولا تـــُـقرأ بعمق اللحظةِ، الآن.


اللوحة: الفنان ماجد شلا، غزة

27‏/6‏/2010

فاغنر وجدتي




بايرويت

تنتحب على فراقكَ كل ليلة،

أهلها يقطِّرون دموعها

في راحاتهم

ويسقون قبركَ

حتى تنمو مفاتيح البيانو النائمة.


فاغنر

العشب صار ملحًا

وانتفخت الجلود في الراحات.

كانوا يقولون لنا أنكم لستم مثلنا،

صدقناهم

ورمينا منديل أم كلثوم

من الطائرة قبل وصولنا.


فاغنر

بعد قليل، ستكبر المفاتيح

وتعزفُ "Götterdämmerung"*،

ذلك حين تموت جدتي

في سريرها الواسع،

قرب الملح والجلود المنتفخة،

وهي تروي لنا، بذاكرتها المتقطِّعة،

حكاية "السِّت" التي قتلت جَمَلها لتنقذ حبيبها.

وسيأتي أهل البلدة؛

يقطِّرون الدموع في راحاتهم،

ويسقون قبرها،

حتى تنمو ظفائرٌ في شعر "الست لْوز"

ويعود الدم ليسري في جسد جَمَلها.



*عنوان الأوبرا الأخيرة في مجموعة مكونة من أربع أعمال أوبرالية بعنوان Der Ring des Nibelungen، والكلمة هي الترجمة الجرمانية لمصطلح من الميثولوجيا النورسية، والذي يرمز إلى حرب الآلهة التي تجلب النهاية للعالم.


الصورة: بيت ريتشارد فاغنر في مدينة بايرويت في الجنوب الألماني، أيلول 2008


كوابيس




أصدقائي مجرمو أحلام

هناك، يتدرّبون على رَمي

قطعٍ آدمية

في وجه العالم.




اللوحة: من معرض "حدود الشمس" للفنان جاد سلمان

7‏/3‏/2010

ريح



أجوّف سروةً

وأقف مكانها في الريح.


بعد قليل، سيصلني أنّ قطارك تأخر

بسبب سرو هوى على السكّة!




* اللوحة: "بدون عنوان"- منذر جوابرة


27‏/10‏/2009

سَيْل



انتهت الصحراء؛

القصّاصون جرّوا أكياس الرمال وأفرغوها في رأسي.

أرشدوا الريح إليّ كي يلقّح الصبار أصابعي.


انتهت الصحراء وسالت.


ولكنّ الواحات التي نسيها النهر فيها اختفت فجأة

ولم يدلقها أحدٌ في جوفي.

فالقصّاصون لم يجتهدوا ليجدوا أواني الماء

ولا لإقناع غيمةٍ بأن مدىً أكرم ينتظرها


الصحراء في رأسي تنتظر القوافل،

والقوافل تمر في ذاك الفراغ

دون أرض أو دليل.



الصورة: "سيل"، أيضًا، في أحد أسواق فلسطين


لا أحد، وصورتك


لا أحد يحتاجك الآن


لا القطارات المسرعة الضاجّة على يومياتك

تطلب منك تلميع الحديد.

لا الصيادون في آخر ساعات الصيد

لتضيء لهم موجةً وتمضي.


لا أحد يحتاجك اللحظة

وأنت تتأنّق لاستقبال نهاياتك،

وأنت تدسّ ذكرياتك في جيبك

وتظهر نرجسةً على فتحتها.


لا أحد سيلتفت إليك إن صرخت

بأعلى صوتك: "مرحى بالفصول المنتهية

مرحى بي أنا المتجدّد وأنا أضرب رأس الماضي وأغميه".

أو حتى إن قلت: "سأتنازل عن دور البطل حتى لا تلتهمني النهاية،

وإن أجبرتُ على التفرج، سأقتل الراوي".


لا أحد يحتاجك الآن

سوى صورتك القاتمة.

28‏/9‏/2009

مسْخ


كلُّ ذلك البهاء الممتد على وجهكَ

مسخته ساحرة من ريفك إلى قط مشرّد

أطعمه لحمي كلّ ليلة


بهاؤك الذي ورّطني ذات صيف

تحت شجرة لا تنبت في بلادنا،

يقتات الآن من جلدي،

ثم يلبسني النهار..


أيها الضوء الخافت هناك

حدثني عن جلده الميّت، أما زال يغني كلّ صباح؟

أما زالت عصافيره تنقر تفاحة تلو الأخرى

وتبحث عن جديدة صالحة؟


لو أن الأشجار لا تنظر إلى السماء دومًا

للاحظت لون قميصي وحفظته.

لو أنها لا تسّاقط، لتذكرتني

ونادت قلبي الساخط

وربّتت على كاهله المأكول.


أنا أيضًا أغني كل صباح

أنا أيضًا أنسى الأشجار حين تنسى قميصي.


27 أيلول 2009



هذا النص، قد يكون أول ما يكسر المحل الذي حل على كل محلّ (عليّ، على الوقت والمكان، وعلى أزرار حاسوبي المتلهفة). محلُ أيار يمتد إلى أيلول.. وأيلول الأسود يشعّ، لمرة واحدة، هي هذه.. أحبه لأنه جاء ليجيء، لا لسبب آخر. كالذي يسافر إلى بلد مجهول، من أجل فكرة السفر فقط..
الصورة: عصفور "واحد" على شجرة في مساكن الطلبة في Bayreuth

19‏/9‏/2009

"إذ قال يوسُف".. التجربة الفردية والجامعة


"في "إذ قال يوسف"؛ يكتب ويخرج نزار زعبي قصة إنسانية لشخوص يعاصرون النكبة وتداعياتها الفردية والجمعية، ويزجّ نخبة من الممثلين الفلسطينيين في صلبها؛ من بينهم يوسف أبو وردة وتيريز سليمان * أبو وردة يتحدث عن عودته إلى المسرح العربي وعن "معضلات" المسرح العبري حين يحتاج "إلينا" * عن علاقتها المختلفة بالمسرح، من الغناء إلى التمثيل، لأول مرة، تتحدث سليمان *

//
* أبو وردة: "إن القضية الإنسانية التي تعرض إليها المسرحية هي ذاك البتر "المشوِّه لكل مكونات حياتنا الطبيعية، إنه الشرخ الذي سببته النكبة في علاقاتنا الطبيعية مع المحيط".
* سليمان: "أعتقد أنني أدرك حجم الطاقة التي يمنحني إياها المسرح من خلال الغناء. ولكنني الآن أمام تجربة تجعلني أشعر بهذه الطاقة أو السحر ولكن بطريقة مختلفة تمامًا".
//


يكتب نزار زعبي ويخرج شخصيات متعدّدة وذات أبعاد وسمات مختلفة تؤديها مجموعة من الممثلين هم؛ سلوى نقارة، عامر حليحل، علي سليمان، طاهر نجيب، سماء واكيم، بالإضافة إلى يوسف أبو وردة وتيريز سليمان. ويتحدّث يوسف عن الأدوار التي يؤديها، وعن خيط أو فكرة تربط مجموعة من الشخوص وهي، كما وصفها، "بتر لمكوناتنا الطبيعية"، "الملفت في العمل أنه يعرض إلى قطع المسار الطبيعي لعلاقاتنا الإنسانية، وهو قطع قاسٍ ولكنه مثير يجعلنا نتساءل؛ ماذا لو لم يحدث هذا؟ ثم إن هذا البتر المشوَّه لعلاقاتنا الطبيعية يأتي على أشكال عدّة؛ بين الأفراد وبين الفرد والطبيعة وما إلى ذلك. وتأتي علاقة الحب بين علي وندى مثالا على ذلك، فبسبب استشهاد علي، تُبتر علاقتهما وتعيش ندى مع أخيه المعاق يوسف (والذي أؤدي دوره)، فبالتالي الحياة التي يعيشانها ندى ويوسف هي غير طبيعية"، يقول أبو وردة. ويردف: "كذلك الأمر بالنسبة لعلاقة الإنسان مع الطبيعة المحيطة؛ أؤدي في المسرحية دور شخص تربطه بشجرة علاقة ما؛ لعلّها مكان آمن لأحلامه، ولكنها تتحول إلى كوابيس بمجرد أن يدرك فكرة أن الآخرين سيمارسون أحلامهم "تحتها" بدلا منه، فيقرر قلعها وزرعها في مكانه الجديد، إنه أيضًا تشويه وعبثية علاقة الفرد بطبيعته. تتطابق الفكرة في مشهد آخر يعرض إلى علاقة الأب بابنته، والتي تُشرخ بسبب قتل الأخ في معمعة الأحداث، يختلط الإحساس بالذنب بالرغبة في الرحيل أو البقاء في المكان. في نهاية المطاف، نرى الصراع الذي تولده أحداث النكبة بيننا وبين محيطنا بكل مكوناته، وحتى بين عناصر الطبيعة نفسها، هذه هي نظرة "يوسف" المعاق، نظرته العادية ولكن غير الخالية من الحكمة، والتي تجعله يرى الصراع متجسدًا في الطبيعة".
أما تيريز سليمان، فتؤدي دور شابة من قرية "بيسمون" والتي تهجر إثر أحداث النكبة آنذاك، وهي شابة تحلم بأن تصبح مغنية مشهورة وأن تتاح لها الفرصة للسفر، حيث ترى بعلاقتها مع "جندي بريطاني" حلا أو منفسا لذاك الحلم. كما وتؤدي دور امرأة من حيفا تشهد مقتل أخيها ونهش الكلاب لجثته، "إنه مكان مؤلم، موجع وبشع، وبعيد عني، على عكس الشخصية الأولى، تقول تيريز. وفي سؤال حول الطريقة التي تعاملت فيها سليمان مع هذه الأدوار متباينة الأبعاد، قالت: "إن جلّ جهدي بذلته على دور أخت القتيل، كنت فيه بحاجة إلى أن أبحث عن أكثر المناطق حلكة وحساسية فيّ، حتى أتمكن من التعامل معه على الخشبة بالشكل الأصح. وهذا ما لا أواجهه في الغناء، ولكنه تحدٍ كبير جعلني أدرك أن عالم التمثيل هو شاسع وقاسٍ يطلب من الممثل أن يكتشف في ذاته أكثر الأماكن خصوصية وحلكة، وأن من لا يقوى على ذلك فمكانه ليس في المسرح". وتضيف تيريز: "هذا هو الأمر الذي جعلني أشعر بالمسؤولية تجاه بقية الزملاء. فالأدوات والتقنيات التي أحتاجها من أجل شحن طاقات كبيرة لإتقان هذا الدور الصعب، قد تكون أسهل بكثير بالنسبة لممثلين محترفين ومتمرسين. ومن خلال هذا، أدركت أيضًا أننا عندما نشاهد مسرحية ما، نحن نشاهد أيضًا لحظات حساسة وصعبة يعيشها الممثل، وهي تستحق المشاهدة".


العناصر الأولية الدافعة

في سؤال حول الدوافع التي جعلت من تيريز سليمان "المغنية" تقدم على عمل مسرحي، هو تجربتها الأولى؛ "أظن بأن المسرحية، بجميع جوانبها، خاصة تركيبة الطاقم الفني والإداري، المهني برأيي، جعلني أندفع باتجاه العمل في هذه المسرحية دون تردد"، تقول تيريز. ولكنها تستدرك: "بقدر ما يمنحني هذا الطاقم طاقة، أظنها هي دافعي الأول، بقدر ما أشعر بالمقابل بمسؤولية كبيرة كوني "مجرّبة" وسط ممثلين محترفين؛ إنه الحرص على أن أثبت بأني جديرة بهذا المكان". بالنسبة لها، بدا العمل مثيرًا منذ اللحظة الأولى؛ مذ توجه إليها المخرج نزار أمير زعبي واقترح عليها المشاركة في المسرحية. "حتى قبل أن أقرأ نص المسرحية، كنت على ثقة بأني أقف أمام عمل مهني وجدير. فأعتقد أن نزار هو مخرج رائع يتعامل بحساسية عالية مع الأمور المطروحة؛ إذ يطرحها هنا من زوايا أخرى غير مألوفة لنا. لا شك بأن النص يلامس أماكن وتفاصيل صغيرة في شخصيتي، قبل أن يلمس القضية الكبيرة العامة؛ النكبة، إنها النكبة الشخصية لكلٍ منا"، تقول سليمان. كذلك الأمر بالنسبة ليوسف أبو وردة، الذي يعود إلى خشبة المسرح العربي بعد انقطاع طويل عنها. "قبلت المشاركة في هذا العمل لأسباب عدة، أولها أن النص كتب بشكل جميل، ثم إنه يروي قصة تهمني شخصيًا، وتدفعني إلى التفاعل معها بسلاسة. بالإضافة إلى أن النص هو إنتاج محلي؛ يتناول قضية تمت لكل شخص منا بصلة مباشرة. أما العناصر العاملة على المسرحية ساهمت كذلك في مشاركتي؛ الممثلين، المخرج والإدارة، طاقم تمنيت العمل معه في السابق، وها هي الفرصة قد سنحت". عند الخوض بجزئية انقطاع أبو وردة عن المسرح العربي سنين عدّة، يشير إلى عدم وجود الفرص المناسبة. وإن سنحت بعضها، تتزامن مع عمله في أماكن أخرى؛ فقد اقترحت عليه المشاركة في مسرحية "عطسة" والذي أنتجها شبر حر أيضً، ولكنها تزامنت مع عمله في فيلم "أمريكا". "ثم إن الأعمال التي عرضت عليّ بشكل عام، لم تكن ذات جاذبية كافية حتى أخوضها"، يضيف أبو وردة.


أبو وردة.. اللجوء القسري للمسرح العبري


سألت يوسف إن كان قد شعر بمسؤولية تجاه المسرح العربي الذي انقطع عنه، أجاب: "ليس على هذه "المسؤولية" أن تجرني إلى المشاركة في أعمال أنا غير راضٍ عنها. إن المسؤولية تكمن تجاه العمل نفسه، أن أكون راضٍ عن مستواه ومكوناته. وفي الواقع، لم أنقطع عن المسرح العربي بإرادتي، إذ لطالما تمنيت البقاء هناك، ولكن لا تتوفر فرص جذابة وجديرة، أما بالنسبة لـ"إذ قال يوسف"، فالعناصر الأولية التي تبنيه، تمنحني الثقة بأني أقف أمام عمل ذي جوانب مهنية". ويضيف شارحًا توجهات المسارح العبرية فيما يتعلق بالممثلين العرب: "إن عملنا في المسارح العبرية ما قبل الانتفاضة الثانية حمل نوعًا من الأمل وربما السذاجة، لكنه كان بحاجة إلى وجودنا "الوظائفي" والسياسي. وبعد أن هبطت موجة المسرح العبري، أخذ كل منا اتجاهًا مختلفًا وشرعنا بالمحاربة على مكاننا الطبيعي غير المحدود بالمعنى الوظائفي. ومن ثم توجهنا لإقامة مسرح عربي يلبي احتياجات الممثلين المحترفين. لم نحقق ما أردنا بالضبط، فهنالك فجوة بين الواقع والحلم، ولكنه أقيم". وهنا يشير يوسف إلى قضية "بتر العلاقات الطبيعية" آنفة الذكر، ويقول أن الحالة الطبيعية هي أن يعمل في المسرح العربي، وألا يحتاج إلى المسارح العبرية، ولكن الخيارات التي يتيحها الأول محدودة، على حد تعبيره. ويردف محدثًا عن الأعمال والمسلسلات العبرية التي انخرط بها: "عندما عملت في المسرح العربي، كنت أرفض الأعمال العبرية التي تعرض عليّ. ولكنني اليوم، بسبب محدودية المسرح العربي، أجد نفسي مضطرًا لقبولها رغم سخافتها أحيانًا، وذلك لأسباب في معظمها مادية". ويستدرك: "ولكن ذلك لا يجعلني أقبل كل الأعمال العبرية التي تعرض عليّ، فهنالك أيضًا انتقائية تفرضها حدود لا أقبل بكسرها أو تجاوزها". وعن هذه الحدود يشرح أبو وردة موقفه من أداء العرب لأدوار وظائفية لكونهم عربًا، فهو يرفض أن يؤدي دور العربي الذي يكتبه الإسرائيلي من وجهة نظره، ويفضل بالمقابل أن يؤدي دور الإسرائيلي، هذا إذا كان العمل بالأساس يناسبه ويناسب مواقفه. "ما أعنيه في نهاية المطاف، هو أن المشهد العبري، في المسرح أو التلفزيون، لم ولن يكون "المهرب الواسع والآمن" فهو أيضًا مشروط ومقيّد بسبب مبادئ أسير وفقها"، يقول يوسف.
أما فيما يخص وجوده في مجموعة "شبر حر" المسرحية، ورأيه حيال توجهاتها وسعيها لخلق مشهد مسرحي فلسطيني مختلف، يقول: "لا شك في وجود تجربة ملفتة، وأفق واضح للاستمرار فيها. أنا شخصيًا لم أدخل إلى هذا العمل بسبب استراتيجية طويلة الأمد أو مشروع بناء مسرحي، ولكني ببساطة أقول أنني على استعداد تام للعمل مع هذه المجموعة في كل ما تطرحه عليّ مستقبلا. فقد أحببت فكرة الانسلاخ عن فكرة المؤسسة، والتي بطبيعة الحال منوطة بقيود ومصالح وحاجيات، والذي يولد روح حرة ومبدعة". وعن عمله، هو صاحب الباع والخبرة الطويلة في مجال التمثيل، برفقة تيريز سليمان وسماء واكيم، بتجربتهما الأولى، يقول: "بغض النظر عن التجربة المسرحية، فإن لكل خصوصيته وهي ملحوظة. فإن ما تجلبه تيريز بصوتها وسماء بحركتها على المسرح هو كفيل بأن يملأ ما يسمى "النقص" في التجربة على المسرح".


سليمان.. تَقاطع التمثيل والغناء


تيريز سليمان، الفتاة الحيفاوية التي عرفت على خشبات المسارح من خلال "صوتها"، تخوض الآن تجربة لعلها مشابهة ببعض الأوجه، ولكنها مختلفة إلى حد كبير. وعن هذا التباين والتشابه، تقول: "لطالما وددت الخوض في تجربة مسرحية تدمج بين الغناء والتمثيل. وبالتزامن مع مسرحية "إذ قال يوسف" عرضت عليّ المشاركة في أعمال أخرى، ولكنني جزمت مشاركتي في هذا العمل بالتحديد بسبب اتفاقي مع جميع عناصره المختلفة؛ كالمخرج والنص وطاقم الممثلين الخ.. بالإضافة إلى أنني أشعر بأني أقف بين أيدٍ أمينة، أي أن لا شيئ سيدفع نزار زعبي إلى المغامرة في إشراك شخوص عديمي التجرب، وأنا على ثقة بقراراته واختياراته". أما عن نقاط التقاء الغناء بالتمثيل، فتقول سليمان: "أعتقد أنني أدرك حجم الطاقة التي يمنحني إياها المسرح من خلال الغناء. ولكنني الآن أمام تجربة تجعلني أشعر بهذه الطاقة أو السحر ولكن بطريقة مختلفة تمامًا، فكنت بحاجة إلى يد العون، وفي الأساس تلقيت المساعدة من نزار زعبي وعامر حليحل". وتضيف: "في الغناء يسهل التعامل مع الإنزلاقات أو المطبات أو اللحظات غير المتينة، ولكنني أجد التمثيل غير مرن تجاه مثل هذه اللحظات، هذه أحد الصعوبات التي تجعلني أكثر حذرًا في التمثيل، على عكس الغناء. ولكن لا شك بأن الأدوات التي أكتسبها الآن منه تساعدني على أداء الغناء، كالوقوف بحرية على المسرح، التعامل مع الجمهور، التعامل مع الأحاسيس الداخلية وكيفية إخراجها أو ضبطها". وتصف تيريز هذه التجربة بأنها من أهم التجارب التي خاضتها حتى الآن، على الصعيدين المهني والإنساني، "هنالك جوانب في شخصيتي أشعر بأنها تمر بنضوج ما. ولو خيّرت بأن أبذل مجهودًا مضاعفًا في سبيل أن أشارك في أعمال قادمة مع هذه المجموعة، لما ترددت. أما على الصعيد المهني، فقد أضاف لي الجانب الموسيقي في العمل الكثير، وذلك لأنه يعتمد في أساسه على مبدأ الارتجال، دون اللجوء إلى الآلات الموسيقية".

يذكر أن مجموعة "شبر حر" تنتج هذا العمل بالتعاون مع مسرح "يانغ فيك" البريطاني وبدعم من مؤسسة الأمير كلاوس وصندوق الثقافة العربي والمورد العربي. يكتبها ويخرجها نزار أمير زعبي، ترجمة: عامر حليحل، دراماتورغ: ديفيد لان المدير الفني لمسرح "يانغ فيك" في لندن، موسيقى المسرحية: الفنان حبيب شحادة، الديكور والملابس للمصمم البريطاني جون بوسير، الإضاءة: كولين غرينفيل، من مسرح "ينغ فيك". يدير الانتاج الفنان أشرف حنا، ويشرف على التسويق سامي زعبي. وسينطلق العرض الأول للمسرحية في الرابع والعشرين منالشهر الجاري على خشبة الميدان في حيفا، من بعدها يقوم الطاقم بجولة عروض في البلاد، وجولة أخرى في بريطانيا لعرض المسرحية باللغة الإنجليزية.

(الصورة بعدسة خلود طنوس)


5‏/6‏/2009

محاولة للإمساك بزمن الكتابة: عن وفي.. "من وإلى"






دمشق- خالد الاختيار




على الرغم من أنّ "المقالات تعبّر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة من وإلى" غير أنه ليس بوسع المرء إلا أن يفتري على المطبوعة الجديدة بعكس ذلك، على اعتبار أن ما ضمّته بين دفتيها منذ عددها الأول وحتى اليوم يعبـّر عنها أيما تعبير.

وعندما يستبين المرء سريعا أن اقتراح النشر فلسطيني أيضا، فإن ذلك لابد له أن يحسم للتو مذاقا مختلفا للتوقعات لا يد للمجلة فيه ولا حيلة. وقد تريده وقد لا تسأل فيه.
بالطريقة نفسها ربما التي يصطاد العين فيها ويغويها منذ اللحظة الأولى الشكل والمقاس المختلف والرشيق لها.

ليس من باب االبهلوانيات اللغوية، ولا الجناس الطربي المبذول. "من" و"إلى"، أحرف الجر الهيـّنة التي يسهر على حركات ما يليها لغويو الإعدادية ومدققو إملاء الصحف قادرة كما لقنـّا مرارا على جرّ الجبال. ولا يبدو أن مهمة أحرف الجرّ تلك عنواناً لدوريـّة ثقافيـّة هذه المرة ستكون أسهل بحال من الأحوال.

"من وإلى" تفترض في ذهن مستطلعها جهات ما، أو أقطاب إرسال واستقبال تدور في بوصلتها الأشعار والقصص والمنثورات والرسوم، وسواها من مواد العدد.

وبالنظر إلى غياب الافتتاحيات الكلاسسيكة عن المجلة والتي عادة ما يكون من دأبها التوجيه وتيسير التأويل وابتكار السياق بحسب (سياسة) التحرير، فإن على القارئ هنا الالتحاق بفضاء تمهيدي بديل من قبيل:

"أعداؤنا يسمـّون البيانو (أفسنتير)
منذ متى وهذه الأفسنتيرات تضربُ في
يقظة الميّت النائم؟
منذ ُمتى تـُواصل شـُغلها من إذاعة (كول
هاموسيكا)- بينما طائراتهم تقصف
(الضاحية الجنوبية) وتـُغيرُ على بيت ٍ من
ثلاث غـُرف ٍ في مخيم جـَباليا؟"

إنما تحت اسم مقارب لـ"الافتتاحية"، وهو هنا "فتّاحة عدد". وإن كان يصلح كذلك برأي كثيرين كفتـّاحة مبدأية للفكرة، يسأل المرء من خلالها وبلؤم أحيانا، ماذا يريد نجوان درويش، المقدسي الشاب، شاعرا أو كاتبا ناشرا، من مجلته وقد بلغت روحها التاسعة؟

أصوات عربية جديدة، كإجابة أولى صارمة، مطوبة منذ الغلاف، قالت إحدى الصديقات مستغربة تجشّم عناء السؤال حتى. ومستشهدة بالجهد التنقيبي الذي قاد المحرر "من" القدس المحتلة "إلى" عربستان فارس. آخذا بتلابيب أحوازيين جدد إلا عن عروبتـ(ـهم) ، من الذين تتخلى عنهم اليوم دون جلبة تذكر أنظمة طوّبت نفسها لعقود حامية حمى هاتيك العروبة.

والصورة في "من وإلى" ليست -تشكيلا أو فوتوغرافا- متاعا طارئا على النص، بل تكاد تأخذ موضعها هناك في تتام وتناغم مع المكتوب الحروفي، كأنه لها وكأنها له.

من منزل دمشقي سرعان ما ينسى المرء اصطناعيـّة ندف القطن على سلّمه لتستحيل للتو عتبات لسحاب (زياد حلبي)، إلى غرف غزاويـّة في نسخها الأحدث 2008-2009 بعد القصف، والعربدة الإسرائيلية الأخيرة، وسطح منزل بصحن لاقط (مجعلك) كمظلة كسحتها ريح داهمة، وحمـّام على الشمع (محمد مسلم).

نجاح عوض الله، حزيمة بشير، أميمة عبد الشافي، حمزة كوتي، فارس البحرة، مصطفى مصطفى، عناية جابر، حمدي زيدان، عبد الوهاب عزاوي، بهيج وردة، سحر مندور، شادي الزقزوق، حازم حرب، هاني زعرب، بهمان غوبادي، آلاء يونس، نسرين بخاري، صلاح أبو الدو، أحمد فارس، عثمان فكراوي.

هنّ وهم بعض شركاء العدد الأخير للمجلة، منثورون بغير تساوٍ على أبواب لها إشارات ودلالات.. "سرد متقطع، قاع المدينة، تجارب، قصيدة، قصة، بما إنو، بورتريه، أصوات الجوار، ملامح، فصول، رفوف".
ومن يعرف بعض أولئك الكتاب والتشكيليين يستدل بيسر على أنّ "من وإلى" لا تنتحل –أقلـّه حتى الآن- أمام قرائها أي غيتو شبابي تبسيطي وفق تعريفات سِنيّ الوجود الفيزيائي للشخص.

رغم أن بعض المشاريع الاستشرافية فيها تأتي (آلاء يونس) إنقاذاً للماضي من تأريخيته المزمنة بصيغة "نفرتيتي" ماكنة خياطة فرعونية شغّلت وشغلت أرامل وأيامى الحروب المصريات إبان 1952.

أو كشفية فوتوغرافيا أخرى (محمد حرب) لطفل كان عليه أن يمشي على الماء قبل أن يصل إلى شربة تروي ظمأه. كما يهيئ للناظر.

على أنه يبدو أن "من وإلى" لا تلقي بالاً لمعاناة جدّاتها العربيات، أو حتى الغربيات الأكثر "إفصاحا" عن بلواهن. مثل كريستيان ساينس مونيتورchristian science monitor، ونيويورك تايمزNew York Times ، وشيكاغو تريبيون chicago tribune، وغيرها من مشيـّدات النشر و"العقارات" الصحافية المطبوعة الآيلة سراعا للانترنت، والإفلاس.

فللمجلة موقع افتراضي على الشبكة الدولية لاتخشى من بث مطبوعها عليه دون كلفة إضافية، ولا تضن بشيء مما "يحبـّر" فيها على متصفحها الالكتروني الذي لا يتحمل أي أعباء مالية على الإطلاق. كيف لا، ومطبوعتها توزع بلا مقابل مادي أصلاً، وتخلو تقريباً من الإعلان والترويج التجاري.

ولعل هذا الأمر دون غيره أثار لدى بعض الدمشقيين بالذات حكة خفيفة في الذقن، خاصة وأن دمشق لم تلبث طويلا خارجة من "تأميمات" الثقافة و"مجانية" التثاقف. إن في العام الماضي كعاصمة ثقافية، أو فيما غبر وعبر من "اشتراكية" الفكر ماضيا!.

سؤال المنشورات الجديدة حولنا وبلغتنا لم يعد أقل خطراً اليوم من سؤال الكتابة الجديدة والكتـّاب الجدد، ثالوث يشد بعضه بعضا، أو يرخيه. ودائما نخب قارئ أكثر جدّة، ففاعل مجدد.
ولالتقاط هذا الأخير بالضبط لا مندوحة من انتظار الغد. على أن الغد "أقرب بكثير مما نظن" (نادين باخص).



___________________________
* الهوامش والاقتباسات والإحالات من مجلة "من وإلى"، العدد التاسع، نيسان– أبريل 2009، منشورات جيل للنشر، رام الله، فلسطين.

Godo.checkpoint@gmail.com